محمد عبدالرحمنمحمد عبدالرحمن

إلى المقاتل الذي انقطعت أخباره... رسالة من تحت الألم

مقالات

2020-10-31 10:31:07

هذه الرسالة المبللة بالدمع، هي تلاوة لوجع الأم والأب اللذين ينتظران عودة ابنهما من المعركة، انتظاراً طويلاً بدون أي أمل بالعودة، أو سماع خبر عنه، ذهب ولم يترك خلفه خيطاً لأي معلومة عنه، لعله الآن ضمن قائمة المفقودين، ولا أمل بعودته أو العثور عليه.

بصوت المعذبين في هذه البلاد:

يا ولدي، تعال إلى بيتك واصبغ على الباب فرحة اطلالتك منه على وجوهنا، اترك كل هذا الغياب الموحش وعد إلى مهجعك دون أن يقلقك أحد.

يا ولدي، بعد رحيلك إلى حيث لا نعرف، استوطن الفزع والخوف في قلوبنا عليك، واحتلّت الذكريات كل خطواتنا إلى غرفتك وفراشك، وارتسمت ملامحك على الجدران، ننظر إليها بترقب صوتك يخرج منها، اعتلى الانتظار لسماع شيء عنك كل أماكن تنظر إليها العين، أو تسمع الأذن خبراً شاح بوجهه عن ذكرك في شيء. 

بعض سنوات لم نسمع فيها صوتك، ولم نر فيها نور وجهك، ارتمينا في حضن الأمل والانتظار، وهبت الرياح وشلحت من على أجسادنا كل اغطيتنا، واصبحنا عراة إلا من أمل عودتك. 

هل قُتلت في الجبهة الأمامية ولم يدرك القائد مكانك؟!

أم أنك نزفت كثيراً وابتلعت صراخ الألم كي لا يعرف العدو مكانك فيجهز عليك؟!

هل تاهت قدمك في الوديان والصحارى، وأضعت طريق عودتك، وأنهكك السفر والبحث عن الماء والطعام، واستلقفك الموت بشجن ورغبة، ثم ترك جسدك للطيور وللضباع؟!

أين أنت..؟؟ نحن اليتامى بعدك، والعطاشى لمعرفة الأخبار عنك، أي خبر كان، المهم أن نعرف ما الذي جرى لك، وأين مكانك حياً أو ميتاً. 

غصة القلب تفتك بنا يا ولدي، وأنت في القفار طيلة هذه السنوات، كلما سمعنا عن قدوم أشخاص من المعركة هرعنا إليهم لعلنا نراك فيهم، أو نلمح بعض ملامحك في وجوههم، أو نسمع صوتك في حديثهم، لكن لا شيء، نعود نجر خلفنا وجع الطريق ونشيج الصخر وقد أسند بعض جروحنا كي لا نسقط بجواره. 

الحرب سلبت كل ماديات الحياة من حولنا، لكن حرب غيابك واختفاء أثرك وانقطاع الأخبار عنك هي أشد فتكاً يا ولدي على أرواحنا، هي من تسلبنا من الداخل، وتقتات أرواحنا من الداخل، لا شيء يوقف هذا التمزق سوى عودتك إلينا، أو سماع الأخبار عنك يا ولدي. 

نبوح بصمتنا إلى الغياب، يرد علينا بصمت العودة المريب، ونبكي الروح، وتمسح الدموع تأوهات الليالي والانتظار، هي الحرب ملعونة يا ولدي، ولم ندر أي لعنة أصابت هذا الطريق إليها، الطريق الذي يُخفي المشاة فيه ويمحي أثر أقدامهم، يبتلعهم كالثقب الأسود.

-->