فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

لعنة الحروب على مستقبل الأوطان في ظل أحزاب الإسلام السياسي

الجمعة 05 فبراير 2021 الساعة 05:45 م

لا شيء أشد سوءًا وخطراً على مستقبل البلدان والشعوب من مسألة اندلاع الحروب الداخلية فيها، فبقدر ما نجد هذه الحروب على مدى التاريخ عاجزة عن بناء الأوطان والدول نجدها في المقابل تدمر ما تمّ بناؤه عبر قرون في لمح البصر!

الحروب دائماً لا تكتفي بأن تعيد البلدان والمجتمعات الإنسانية إلى الوراء عقوداً من الزمن، بل نجدها توفر المناخ المناسب لبيع البلدان والمتاجرة بمعاناة الشعوب على يد حفنة من تجار الحروب أو ساسة مقامرين، تصادر الحروب ضمائرهم تدريجياً حتى يفقدوا شرف الإحساس ليس بقيمة الأوطان وكرامة الإنسان -من موقع مسئوليتهم السياسية والتاريخية- بل بأوجاع المواطنين الذين يدفعون وحدهم ثمن الحروب من دمائهم وأمنهم وأرزاقهم، وحتى أعراضهم التي لا تخلو من الانتهاك في كثير من الأحيان في أوقات الحرب.

لم تعد الحروب كما كانت في صدر التاريخ عبارة عن جندلات فرسان في معارك يتقاتل فيها الشجعان وجهاً لوجه، بعيداً عن الديار والأحياء السكنية، ويدفع ثمنها كل من يحمل السيف طائعاً مختاراً ويشترك في المواجهة المباشرة بمعزل عن المدنيين من الرجال والنساء والأطفال، فالحرب في الماضي رغم قبحها كانت في كل الأحوال قادرة على إنتاج أبطال وفرسان وقادة وأخلاق، وتصنع حتى إمبراطوريات ودولاً غيرت مجرى التاريخ، أما اليوم فالحروب تتحرك بوحشية هادمة على أوسع نطاق وتمس كيان الفرد والمجتمع بشكل عام دون استثناء.

فالحرب، بلاشك، تمس هؤلاء جميعاً في الأمن والأمان والاستقرار، وتمسهم حتى على مستوى النظام والقانون والاقتصاد والأخلاق، تجتاح كل شيء في الواقع ولا تعرف حدوداً للتوقف، فهي لا تتوانى أن تنسف كل الأصول الثابتة في المجتمع خصوصاً عندما تكون حروباً داخلية بين أبناء البلد الواحد فإنها تقسّم ولا توحّد، فهي في كل الأحوال تؤكد المعنى الحرفي لمقولة كسر الموانع "كل شيء مباح في الحرب والحب!

لبنان، ذلك البلد الجميل بكل معنى الكلمة، قبلة السائحين والزوار، ومطابع الكتاب والأدباء والمفكرين، جحدت نخبته السياسية يوماً بنعمته وسحر جماله، وتقاتلوا خمس عشرة سنة بكل أنواع السلاح، وفي خضم هذه الحرب فُتح ذلك البلد وسيادته الوطنية على مصراعيه أمام دول إقليمية، وبشكل جعل من هذا البلد الجميل مسرحاً لتصفية الحسابات، وميدانا صغيرا لاستعراض فائض القوى لدول كبيرة بدت صانعة القرار في المنطقة، وبعد أن توقفت الحرب وأنهك المتقاتلون والسياسيون على حد سواء؛ أفاق اللبنانيون ووجدوا أنفسهم بعد خمس عشرة سنة من الحرب العبثية بلا وطن وبلا سيادة وطنية وبلا مستقبل سياسي آمن يحفظ مصير الأجيال القادمة من خطر السلاح الذي ما زال يطل برأسه بين الحين والآخر من داخل خنادق الطائفية السياسية التي تم شرعنتها في لبنان على إثر الحرب الأهلية. 

رغم طول الحرب في لبنان وعظيم الثمن المدفوع لم ينتصر اللبنانيون المتقاتلون في حربهم الطويلة للوطن في لبنان ولم ينتصروا للهوية الوطنية الجامعة التي تلغي الانقسامات السياسية والاجتماعية الداخلية، بل انتصروا للطوائف والمذاهب التي كانت في الأساس ديناميات فاعلة تنفخ روح الكراهية في هذه الحرب وتعمل على استمرارها، وما تزال حتى اليوم ساكنة على الدوام في عقول من لا يدينون بمفهوم الوطن والوطنية اللبنانية، مع أن التاريخ من خارج فضاء الجغرافية العربية قد عفى على تلك المسميات اللا وطنية التي تم إنتاجها في غيبة العقل وتحولت إلى معادلة سياسية ونظام حاكم في لبنان في القرن الواحد والعشرين = {الطائفية السياسية}.

الشيء المؤكد حتى اليوم في هذا البلد أن مستقبل الأجيال القادمة ما زال مفخخاً وغير آمن بمقياس فكرة التعايش السلمي والوطني، لأن الحرب بكل أدواتها القذرة دائماً ما تعمق الشرخ الاجتماعي، بل تنتج في الغالب معادلات سياسية ممانعة لمفهوم الوطن والمواطنة، وهذا ما حدث في هذا البلد الجميل والأنيق حتى في تسمية مدنه وتضاريسه، ناهيك عن جمال الجنس البشري الأخاذ فيه، ربما كان المحامي والسياسي كريم بقرادوني رئيس حزب الكتائب سابقاً أشجع من عبر عن مأساة اللبنانيين مع هذه الحرب في كتابه المطبوع تحت عنوان (لعنة وطن).

العراق بلد الرافدين وماضي الأشوريين الذي يعيش اليوم احتقانا سياسيا مستمرا، ومواجهات مسلحة داخلية تندلع من حين لآخر تستهدف في الأساس الهوية الوطنية الجامعة للعراق، وتؤسس في نفس الوقت لمعادلة سياسية طائفية ومذهبية تتقاطع بذاتها مع مفهوم الوطن والمواطنة، وأكثر من ذلك تجعل مستقبل هذا البلد العريق والغني في الجغرافية والتاريخ على حدٍ سواء على كف عفريت سياسي يعمل على استدعاء النماذج التاريخة المذهبية ويعيد إنتاج الهويات الجزئية الماضوية ={ شيعة وسنة...}، بل يرى في حدود هذه المسميات المذهبية والماضوية انتماءات وهويات أكبر من الانتماء لعراق الحضارة والتاريخ والإنسان والوطن الكبير الذي كان حاضراً على الدوام في حسابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط أو هكذا كان العراق يحسب له ألف حساب!

اليمن السعيد بلاد الإيمان والحكمة، كما يقال، تعيش اليوم أخطر حروبها الداخلية منذ فجر التاريخ، ليس لكون هذه الحرب مست وبشكل عميق وجذري كل مناحي الحياة ودمرت كل الأصول الثابتة في حياة الفرد والمجتمع، ولا لكونها -الحرب- أسقطت السيادة الوطنية وسيادة الدولة على حد سواء وعمقت حالة الانقسام الاجتماعي والسياسي وحتى الثقافي في المجتمع ناهيك عن أن هذا الأخير يعيش اليوم أكبر الفواجع الكارثية للجهل والفقر والمرض، ولا لكونها "أي الحرب" أنتجت تجار حروب وساسة بلا ضمائر، بل لما هو أكثر من هذا وذاك، فالحرب في اليمن تستهدف في الأساس مفهوم الوطن الكبير ومفهوم المواطنة المتساوية اجتماعياً وسياسياً، ومفهوم الهوية الوطنية الجامعة لليمنيين عبر التاريخ، لذلك ليس بمستغرب أن تبدأ هذه الحرب خطواتها الأولى بالانقلاب على مشروع الدولة الوطنية / المدينة/ المتوافق عليها في مؤتمر الحوار الوطني بعد تضحيات ثورة 11 فبراير، وتعمل اليوم على استدعاء النماذج التاريخية الماضوية ={الانقسام السلالي داخل المجتمع} والأخطر من هذا وذاك أيضا أن تنتهي هذه الحرب بفرض معادلة سياسية مذهبية أو مناطقية طائفية، تحكم مستقبل اليمنيين على غرار ما حدث في لبنان والعراق أو أن يستسلم اليمنيون لذلك تحت ضغط الحاجة إلى السلام وإيقاف الحرب بعد أن بدأ اليأس يدب بشكل مكثف فيما يتعلق بعدم قدرت السلاح على حسم معركة الشرعية والانتصار لمشروع الدولة والوطن في اليمن، ناهيك عن أن أحزاب الإسلام السياسي ما زالت غير قادرة على استيعاب الآخر.

ما يجب أن يدركه اليمنيون وغيرهم أن "الطائفية السياسية أو المذهبية السياسية التي تنتجها أحزاب الإسلام السياسي أو ما يدخل في حكمها عندما تتحول إلى نظام سياسي حاكم في بلد ما فإن فكرة الدولة والوطن تتلاشى ولا يصبح لهما وجود في واقع الناس"، ناهيك عن كونها تعمل على تفخيخ المجال الاجتماعي على أساس مذهبي. 

صحيح أن إفرازات نظام الطائفية السياسية ومن على شاكلتها سوف تحول عاجلاً أو آجلاً فكرة الدولة والوطن إلى مشروع نضالي للأجيال القادمة، إلا أن انتصار هذا المشروع في مجتمع ما يزال يعول على دور القائد الملهم في صناعة التاريخ والتحولات الوطنية، يتطلب بالضرورة وجود قائد استثنائي بحجم نلسون مانديلا، ولا أظن أن مثل هذا الرجل المناضل موجود بيننا حتى نعول عليه في محنة أقطارنا العربية مع فكرة الدولة والوطن وفي اليمن على وجه الخصوص.