فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

عن التصعيد العسكري للحركة الحوثية

الجمعة 19 فبراير 2021 الساعة 08:17 ص

اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسبوعه الأخير في البيت الأبيض بأحد القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً داخل المؤسسات السياسية في أمريكا، وحتى على مستوى العالم، كان هذا القرار الذي اتخذه الرئيس ترمب بخصوص تصنيف الحركة الحوثية جماعة إرهابية لا يقل أهمية عن ذلك الجدل الذي حدث في الداخل الأمريكي، مع العلم أن حكومة الشرعية في اليمن استقبلت مثل هذا القرار بترحاب شديد.

كان الديمقراطيون الواثقون من الفوز في عملية الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أمريكا أشد المعارضين لهذا القرار الذي صدر أثناء ما كان الرئيس بايدن على بعد أيام، فقط، من الجلوس على كرسي المكتب البيضاوي بعد أن خاض الرئيس ترمب معارك قانونية وسياسية تتعلق بعدم اعترافه بنزاهة الانتخابات التي حسمت من قبل القضاء والمؤسسات الدستورية في أمريكا، لصالح الرئيس جو بايدن الفائز في الانتخابات بأكثر من ثمانين مليون صوت، وهي نسبة لم يحصل عليها أي رئيس أمريكي من قبل. 

من نافلة القول إن معارضة هؤلاء الديمقراطيين، القادمين إلى البيت الأبيض، كانت ناتجة عن اعتقادهم بأن الرئيس ترمب قبل مغادرته للبيت الأبيض قد أصبح، أكثر من أي وقت مضى، حريصاً على تسميم العلاقات وأجواء الحوار السياسي بين الإدارة الأمريكية الجديدة وبين النظام الحاكم في طهران بعد أن أقدم في بداية حكمه على إلغاء الاتفاق النووي، الأمر الذي جعل الإدارة الأمريكية خلال فترة رئاسته تدخل في حالة من المكاسرة الخشنة والتلويحات العسكرية مع النظام الإيراني بعد الانفراج السياسي الذي حدث مع إدارة الرئيس باراك أوباما.

بلا شك كان توصيف وزارة الخزانة الأمريكية للحركة الحوثية بكونها جماعة إرهابية في هذه الظروف يعد ضربة قاسية مهما بدت ردود أفعال الحركة غير المبالية بالمآلات المترتبة على هكذا قرار غير متوقع، لا سيما وأن الحركة الحوثية بعد أن نجحت في تطوير قدراتها الهجومية التي تقوم في الواقع على تقنية إيرانية صرفة، قد أصبحت تأمل أن يعترف المجتمع الدولي، سيادياً وقانونياً، بسلطتها على العاصمة صنعاء والمحافظات التي تسيطر عليها وليس بكونها سلطة أمر واقع فقط، وإذا بها مع هذا التقدم العسكري تصنف دولياً بكونها جماعة إرهابية، هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية فإن تصنيف الحركة الحوثية بكونها جماعة إرهابية سوف يؤدي بلا شك إلى مضاعفة العقوبات الدولية على إيران بكون هذه الأخيرة تقدم الدعم العسكري والسياسي وحتى المالي لحركة إرهابية في اليمن، وهذا بحد ذاته سوف يؤدي إلى عواقب سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة على الحركة الحوثية، ناهيك عما سوف يتعرض له النظام الحاكم في طهران من عقوبات ربما تتجاوز النطاق الأمريكي.

وإذا كان مثل هذا القرار يستهدف الحركة الحوثية ويستهدف النظام الحاكم في طهران بدرجة كبيرة، فما الذي جعل الحركة الحوثية تستقبل قناعة الرئيس جو بايدن وإقدامه نحو إلغاء القرار واخراجها من قائمة الإرهاب بهذا التصعيد العسكري المكثف تجاه مأرب والمملكة العربية السعودية الحليفة، استراتيجياً وتاريخياً، لدولة أمريكا، ولماذا لم تضغط إيران على الحركة الحوثية باتجاه خفض التصعيد العسكري؟.. خصوصاً وأن الرئيس جو بايدن قد أعلن أكثر من مرة عزم الإدارة الأمريكية على العودة إلى إحياء الاتفاق النووي مع طهران، بمعنى آخر كان الأجدر بالحركة الحوثية ومن ورائها إيران مع هذه المتغيرات أن يكونا أكثر جنوحاً للسلام، أو هكذا يجب أن تقدم الحركة نفسها حتى من باب المناورة واستغلال المتغيرات السياسية في أمريكا وهي بلا شك متغيرات سوف تؤثر على مسار الأحداث في منطقة الشرق الأوسط!

في اعتقادي أن الحركة الحوثية وعن طريق حليفها الصادق معها - النظام الحاكم في طهران- قد فهمت طبيعة هذه المتغيرات في السياسة الأمريكية بشكل صحيح ودقيق، ولهذا صعَّدت عسكرياً على أساس مفهومها لطبيعة هذه المتغيرات التي حدثت مع رحيل الرئيس ترمب وقدوم جو بايدن وليس على أساس تفسير الكثير ممن ذهبوا إلى قراءة هذا التصعيد بكونه يأتي منسجماً مع توجهات الحركة التي لا تؤمن بالسلام ولا بالحوار ولا يهمها حياة المدنيين في مأرب وتعز على سبيل المثال، بقدر ما تؤمن بالعنف والحرب في سبيل السيطرة على السلطة، فمثل هذا التوصيف، وإن كان قد ميز سلوك الحركة في سنوات الحرب الماضية، إلا أن تصعيدها في هذه الظروف يأتي وكأنه يلبي مصالحها على أساس تقديرها لطبيعة هذه المتغيرات الجديدة.

فما يجب أن نفهمه جميعاً أن الرئيس ترمب قد خلف وراءه أزمة حادة وكبيرة داخل المجتمع والمؤسسات الحاكمة في الداخل الأمريكي، وهي أزمة انقسامية أقل ما يقال عن توصيفها بأنها نتاج للممارسات الترامبية السلطوية التي استمرت أربع سنوات، وفي حال تفاقمها سوف تهدد مستقبل الأمة الأمريكية، وإرثها السياسي والوطني، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الدولة كفكرة مؤسسية ناظمة فوق مفهوم السلطة، والديمقراطية كنظام سياسي وآلية تنافسية لا تقبل التشكيك في نزاهتها، والوطن الأمريكي كانتماء جامع لكل الأجناس والأعراق الملونة في أمريكا، وهذا يعني أن أولوية الرئيس جو بايدن تكمن في العمل على ترميم الداخل الأمريكي بعد هذا الانقسام المخيف، لهذا نجده منذ بداية حملته الانتخابية وحتى الآن يكرر كلمته القائلة سوف أكون رئيسا لكل الأمريكيين.

كما أن النجاح في تجاوز حالة الانقسام في الداخل الأمريكي يتطلب من إدارة الرئيس جو بايدن أن تعمل بشكل جدي على التخلص من بعض الملفات الخارجية أو خفض منسوب التوتر فيها، كما هو الحال مع الملف النووي الإيراني الذي أصبح يلقي بظلاله على كثير من الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمة هذه الأحداث تبرز صورة الحرب الكارثية في اليمن، خصوصاً وأن إطالة أمد الحرب في اليمن لم تشكل كارثة حقيقية على المستوى الإنساني بل أن إطالة أمد هذه الحرب قد مكنت الحركة الحوثية من تطوير قدراتها الهجومية التي أصبحت تطال العمق السعودي عن طريق سلاح الجو المسير، في ظل عجز منظومة الدفاع الأمريكي عن مواجهة هذا الهجوم الذي تتعرض له دولة حليفة لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط بحجم السعودية.

كما أن الضغوطات السياسية والحقوقية في الداخل الأمريكي والتي كانت تطالب منذ سنين بإيقاف صفقات بيع السلاح إلى السعودية والإمارات لأسباب إنسانية، وإن كانت قد نجحت في تحقيق هذه المطالب، إلا أن مسألة تنفيذها وقف تصدير السلاح يجب أن تتم بطريقة لا تسمح للحوثيين أو للإيرانيين أن يفهموا أن في ذلك تخليا عن السعوديه من قبل أمريكا، بمعنى آخر يجب أن يتوقف تصدير السلاح في الوقت الذي يجب فيه أن تتدخل أمريكا بشكل جاد من أجل إيقاف الحرب، ما يعني أن التوجه الأمريكي نحو وقف الحرب في اليمن هو توجه حقيقي في ظل هذه المتغيرات، وقد فهم الأوروبيون ذلك وتحرك البرلمان الأوروبي واتخذ تلك القرارات مؤخراً على هذا الأساس، ناهيك عن أن المبعوث الأممي قد بدأ جولته الجديدة هذه المرة من طهران وليس من صنعاء.

لهذا ليس بمستغرب أن تصعد الحركة الحوثية عسكرياً تجاه مأرب لإسقاطها وتجاه السعودية، فهي على مستوى الداخل تريد أن تذهب إلى المفاوضات القادمة وفي يدها أوراق سياسية وسيطرة عسكرية على الواقع أكثر من سيطرة حكومة الشرعية التي أصبحت ممزقة بسبب تناسخ الانقلابات الداخلية في معسكرها، كما أن تصعيدها تجاه السعودية بهذا الشكل المكثف يأتي في سياق الرغبة في اثخان جراح السعودية بضربات موجعة وكأنها تريد أن تأتي السعودية إلى المفاوضات القادمة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، المهم أن تأتي هذه المفاوضات الحاسمة وحكامها يبحثون عن مخرج لأنفسهم ولمملكتهم السعودية أكثر من أن يبحثوا عن مصلحة الشرعية والمستقبل في اليمن.

أخيراً مع هذه المتغيرات ماذا أعدت حكومة الشرعية للمفاوضات القادمة؟!