فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

حُرفة التعليم في دولتي بني منصور وبني الهادي

منذ 53 يوم و و 42 دقيقة

كان بين رجال دولة بني العباس أدباء وشعراء يعاقبون في نهاية أيامهم إما بالقتل، وإما بمصادرة الأموال والممتلكات لأسباب سياسية، كما يظهر في معظم الحالات.. اضطر عسر الحال بالأخيرين (الذين صودرت أموالهم) إلى التكفف في الأسواق والطرقات، ثم ماتوا فقراء محرومين ومهانين.. وقد قيل عن هؤلاء: أدركتهم حرفة الأدب.. أي ذهبوا ضحايا بسببه، إذ إن اللفظة العربية حرفة (بضم الحاء) تعني الحرمان، كما تعني الفقر وعسر الحال.

يمكننا القول إن الأساتذة الجامعيين في عهد دولتي بني عبد ربه منصور وبني الهادي، قد أدركتهم حرفة التعليم الجامعي، وهي حرفة مضاعفة، جمعت بين الحرمان من الرواتب، والقتل، والفصل التعسفي، والمعاملة المهينة، والملاحقة، والتعذيب، ومصادرة حقهم في التعبير عن الرأي، ومساءلة الكاتب منهم على ما كتب، ولو كان نقداً خفيفاً في ضيقة من تويتر أو من الفيسبوك.

كان حرفة الأدب في عهد دولة بني العباس، يتم بإرادة الحاكم أو الأمير أو السلطان.. يعاقب أديباً أو شاعراً بالموت أو بالحرمان من شروط الحياة، بناءً على المزاج أو الحقد، وليس بحكم قضائي أو شرعي.. كذلك اليوم هو الحال مع ضحايا حرفة التعليم الجامعي.. يعتقل أستاذ ويفصل آخر، وثالث يلغى عقد عمله، بناءً على أهواء الرجال المستحكمين في مجالس الجامعات والكليات، الذي يعتمد تصرفهم على توجيهات سياسية من خارج الجامعات، أو بناءً على التوجه السياسي الخاص، ولا قيمة هنا لقانون الجامعات اليمنية ولا للائحته التنفيذية.

كان الذين أدركتهم حرفة الأدب في عهد دولة بني العباس قلة قليلة، أما الذين أدركتهم حرفة التعليم الجامعي في عهد دولتي بني منصور وبني الهادي في أيامنا هذه، فكثر كثر كثر.. وسنأتي على حالات معدودة من باب ضرب المثل:

من جامعة تعز، قال قبل يومين، الدكتور منصور القدسي إن المخالفات والتجاوزات التي طاولت أساتذة في الجامعة، بلغت حداً لا يمكن السكوت عنه.. والقدسي يعمل أستاذاً للإعلام بكلية آداب جامعة تعز، وقبل ذلك ترك العمل بجامعة الحديدة بسبب الخوف على حياته من الجماعة الحوثية، هرباً من العسرة أيضاً، فجاء إلى تعز طلباً للرزق والأمان، وكان مسؤولاً عن الإعلام في مجلس تنسيق نقابات هيئات التدريس في الجامعات، فإذ به يكتشف أن فسوة الجماعة الإخوانية في جامعة تعز مجيفة في السوق كضراط الجماعة الحوثية في جامعتي الحديدة وصنعاء.. قرر الاحتجاج على ما يحدث في كلية آداب تعز من تجاوزات خطرة، ومخالفات جسيمة للأعراف الأكاديمية وقانون الجامعات، فاختار أسلوب احتجاجه الخاص: التوقف عن التدريس، وهو موقف سلبي في اعتقادنا.. كان بعض زملاء الدكتور القدسي في قسم الإعلام وعمادة الكلية بالجامعة نفسها، قرروا في شهر يناير إلغاء عقد عمل الدكتور عارف التام، بعد أن فتش الإصلاحيون في حسابه الفيسبوكي القديم، ووجدوا فيه انتقادات لقيادات الجماعة، فاحترفوا إلى رؤساء التام، الذين اتخذوا ذلك الإجراء غير القانوني، بدافع الانتقام.

وغير هذين كان أساتذة في جامعة تعز موضوع مظالم من هذا الضرب، ومظالم من ضروب مختلفة في العام الماضي، حيث أدركت حرفة التعليم الجامعي مدرس تاريخ في الجامعة هو الدكتور سعيد إسكندر، إذ كانت حياته في شهر أكتوبر الماضي عرضة للتهديد الصريح بالموت من قبل عصابة مسلحة أطلقت الرصاص على سيارته عند باب منزله بحي الروضة، ولسان حال العصابة إياك أعني وافهمي يا جارة، وليس أنت المقصودة يا سيارة!

كان الدكتور خالد الحميدي -عميد كلية التربية في الضالع- ينتقد سلوك الجماعات الإرهابية أحياناً مثله مثل غيره.. لكن لأنها حرفة التعليم الجامعي، ترصَّد له مسلحون من تنظيم القاعدة، وعند ظهيرة السادس من أكتوبر الماضي رأوه يخرج من باب المجمع التربوي وسط المدينة، فأطلقوا عليه النار وأردوه، ثم ركبوا دراجتهم النارية وولوا، دون نكير على نسمة تسعى أزهقت، أو غيرة على الدم المسفوح!

قبل اغتيال الحميدي، قُتل الدكتور عدنان عبد القادر الشرجبي، مدرس علم النفس بكلية آداب جامعة صنعاء.. نقول قتل، على الرغم من أن الجماعة الحوثية الإرهابية هناك لم ترمه برصاصة.. بل اعتقلته -وكان ذلك في شهر سبتمبر الماضي- ثم ذهبت تفتش بيته، تصادر حاسوبه ودفاتره الخاصة، بذريعة أنه عميل لجهة أجنبية، ولما سقطت هذه الذريعة، أخرجوه من الحجز التعسفي، بعد أن ظل خمسة وعشرين يوماً عرضة للمعاملة القاسية والمهينة، والحرمان من الدواء الذي يدفع عنه الموت المحقق جراء مرض عضال.. لقد أخرجوه لكي يموت فحسب.

بعد الدكتور الشرجبي أدركت حرفة التعليم في جامعة صنعاء الدكتورة نجيبة مطهر، فقد أقيلت من وظيفتها (كانت نائبة رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحث العلمي) بسبب معارضتها بيع أرض تتبع الجامعة، بمبلغ زهيد هو مليارين وسبعمائة مليون ريال، لكن فعلوا كلتا السيئتين: باعوا الأرض واستبعدوا الدكتورة نجيبة من وظيفتها.. وغير نجيبة والشرجبي، ما أكثر ضحايا حرفة التعليم بجامعة صنعاء في عهد دولة بني الهادي!

مجلس جامعة صنعاء فصل الدكتور إبراهيم أبو طالب، ومائة وتسعة وخمسين أستاذاً ومعيداً من هيئة التدريس، من بينهم 117 فصلوا دفعة واحدة.. في يوم واحد هو اليوم الثاني من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2018م.

كان البدلاء جاهزين.. فمجلس جامعة صنعاء في عهد رئيسها الدكتور دغار أصدر قراراً إدارياً نهاية شهر ديسمبر 2018 بتعيين 573 عضواً بهيئة التدريس ومساعديهم في الجامعة.. اليوم في عهد رئيس الجامعة الجديد الدكتور السيد القاسم محمد عباس، صدرت قرارات تعيين مدرسين ومعيدين ومساعدين فنيين لا علاقة لهم بكليات الجامعة، ولا بأقسام كلياتها، بل عينوا بأوامر وتوصيات من فوق.

في هذا الشهر أصدر مجلس الجامعة قرارات تعيين أساتذة ومعيدين، اعتبرتها الدكتورة نجيبة مطهر جريمة.. جريمة، لأن المعينين فاقدو الأهلية لشغل تلك الوظائف.. مؤهلاتهم الوحيدة أوامر من أحمد حامد مدير مكتب مهدي المشاط.. جزمت الدكتورة نجيبة أن فيهم من لم يحصل على شهادات علمية، وأن طالبة رسبت بعشرة مقررات دراسية أثناء دراستها الجامعية، عُينت معيدة بمؤهل رفيع، هو صلة قربى بوزير التعليم العالي.

هذه هي بعض مؤهلات البدلاء عن الذين فُصلوا، أو الذين أدركتهم حرفة التعليم بجامعة صنعاء..

الجماعة الحوثية لديها مبررات وجيهة لحرفة التعليم التي أدركت الأساتذة في جامعة صنعاء.

مثلاً، تقول: الدكتور فلان ترك عمله منذ مدة غير قصيرة.

الدكتور فلان والدكتور علان والدكتور سعدان التحقوا بالعدوان.

الدكتور زعطان هرب وموجود حالياً في تركيا.

الدكتور سعد غائب لأنه يدرس بجامعة خاصة.

الدكتور سعيد فار من وجه العدالة.

الدكتور زيد غير ملتزم.

الدكتور عمرو يشتغل بالسوق.

وهكذا..

الجماعة هي التي خلقت الأسباب، وهي أيضاً التي تعاقب ضحاياها.

تحرم أستاذاً جامعياً من أجره الشهري، فيذهب للعمل في مكان آخر، وتقول غائب، يُفصل.

هناك فارون من الملاحقة، وتريد منهم أن يعودوا إليها لتقبض عليهم وتعاقبهم.

قطعت المرتبات، وبسبب ذلك ترك أساتذة التدريس في الجامعة واتجهوا إلى السوق يتكسبون لعيالهم.

ثم تقول: غاب عن العمل، غير ملتزم بمهامه، فار من وجه العدالة، عميل للعدوان، يفصل والبديل يأتي به حامد مدير مكتب فخامة الرئيس مهدي المشاط!!