د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

قلق مصر على مياه النيل: لماذا.. وماذا بعد مشكلة "سد النهضة"؟!

منذ 61 يوم و و 3 دقيقة

النيل بالنسبة لمصر، يعني.. فيما يعنيه: الواقع والتاريخ، المدنية والحضارة، البيئة والسكان، الاستقرار والتنمية، الزراعة والتجارة والسياحة.. والطعام والشراب لحوالي مئة مليون نسمة.

بمعنى أن أيّ خطر حقيقي يتهدد مياه النيل.. يمثل خطرا وجوديا بالنسبة لهذا البلد الذي لم يكن ليكون هو هو لولا هذا النهر الذي قال المؤرخ اليوناني "هيرودوت" "ت: 454 ق.م" إن مصر هبة منه.

ومن قبل وبعد "هيرودوت".. كانت وظلت هذه الأهمية معلومة للمصريين. كانوا دائماً على وعي تام، بأن بلدهم بدون النيل مجرد صحراء جدباء شحيحة المطر. كما ورد في ترانيم أخناتون: 

شكرا لك أيها الإله الذي أرسلت لمصر نهرا يجري في الأرض، وأرسلت للأمم الأخرى نهرا يجري في السماء (يقصد المطر). 

وفي مصاحبة هذا الوعي المصري القديم بأهمية هذا النهر الخالد.. مخاوف وجودية قديمة بنفس القدر، من كل ما يهدد مياه النيل بالشحة أو الجفاف.. هذه الشحة التي تعني ببساطة للشعب المصري "المجاعة". 

قصة النبي "يوسف". واضحة بهذا الشأن، لم يكن المصريون، في البداية، على معرفة من أين ينبع هذا النهر، ولماذا تشح مياهه أحياناً؟ وفي حال حدثت هذه الشحة كانوا يتقربون للآلهة لرفع الغمة، وربما يضحون بأجمل العذارى في حالات انخفاض منسوب المياه.!

لكنهم اكتشفوا مبكرا علاقة الأمر بمنسوب هطول الأمطار في أقاليم المنبع، والأهم أنهم تصوروا، بقلق بالغ، قدرة بعض البلدان هناك، على التحكم بمياه النيل، كقطع مياهه بشكل جزئي أو كلي عن مصر.

الحبشة بشكل خاص، كانت المصدر الأكبر أو الوحيد المثير لهذا القلق الكبير الذي -على عكس ما قد يبدو- قديم بقدم تصوّر المصريين أن بإمكان الأحباش التحكم بالنيل، وبالتالي خنق الشعب المصري.

لذلك.. كان الخلاف مع الحبشة خصوصياً للغاية بالنسبة لمصر، خاصةً بعد الإسلام، مصر مسلمة والحبشة مسيحية، وقد يدفع هذا الاختلاف الديني، إلى خلاف سياسي، تستخدم فيه الحبشة مياه النيل كسلاح في الصراع العقائدي.

ماذا كانت مصر ستفعل لمواجهة ذلك السيناريو، بالذات خلال العصور الوسطى، عصور الضعف والانحطاط العربي والإسلامي؟!

لا شيء تقريباً. الخيار العسكري كان هو الخيار الأكثر وجاهة حينها، لكن الحبشة بعيدة جغرافيا عن مصر، ما يجعل هذا الخيار مستبعدا وبلا جدوى.!

هذا العجز العملي عن مواجة مشكلة بهذا الحجم والخطورة.. كان كالعادة هو الذي حرّض خيال الشعب المصري لابتكار حلوله الملائمة: لعنات وأدعية، أو بشكل خاص سرديات شعبية لإشباع حاجة العاجز للتفوق والنصر والانتقام.

هكذا تم ابتكار السيرة الشعبية للبطل الأسطوري الملك "سيف بن ذي يزن"، هذه السيرة الشعبية هي التجلي السردي للقلق المصري القرسطي، من الأحباش على مياه النيل.كما انها كانت هي الحل السحري لمواجهة هذه المشكلة.

في هذه السيرة يتجلى الملك سيف بن ذي يزن كبطل خارق مهمته الجوهرية هي القضاء على دولة الكفرة الأحباش، وسلبهم القدرة على التحكم بمياه النيل. وكما ينبغي. قام البطل بهذا الدور على أحسن وجه، فنجح في هزيمة الأحباش، والاستيلاء على الكتاب السحري الذي يتحكم بمياه النيل"كتاب النيل"، ومن ثمّ دفنه في مكان لا يعرفه إنس ولا جان.. بمعنى توفير ضمانة أبدية لاستمرار تدفق مياه النيل إلى بلد ابنه "مصر".

في تلك الفترة لم تكن الحبشة قادرة عملياً على التحكم بمياه النيل. كان التهديد خيالياً، كما كانت الحلول المصرية خيالية ملائمة، وإن أوحت بالتفكير الاستراتيجي العميق وبعيد المدى للشعب المصري.

اليوم. تغير العالم تماماً: أصبحت "اثيوبيا" قادرة على تنفيذ التهديد، كما أصبحت مصر قادرة على مواجهته بالخيار العسكري: كتوجيه ضربة جوية أو صاروخية قادرة على تعطيل "سد النهضة"، وإخراجه من الخدمة.

باتت المشكلة مسرفة في واقعيتها، كما باتت الحلول الخيالية مثيرة للسخرية، من قبيل اقتراح "جماعة الإخوان" حل مشكلة نقص مياه النيل التي سيتسبب بها "سد النهضة" من خلال إقامة صلاة "الاستسقاء".!

بيد أن الخيار العسكري لم يعد الخيار الوحيد لحل الخلافات الدولية، وإن ظل متاحا كخيار أخير، بعد استنفاد كل البدائل الدبلوماسية، وفشلها في حل مشكلة مصيرية تتهدد كيان وكينونة أمة كاملة مثل مصر.!

الأرجح أن أزمة سد النهضة لن تصل إلى هذا الحد، رغم تعنت وصلافة الجانب الأثيوبي، لكن حتى لو تم حل المشكلة بالوجه الأمثل، سيظل القلق المصري العريق على مياه النيل قائماً على المدى الطويل كمشكلة أبدية سرمدية دائمة.

هذه هي ضريبة الواقع "الهيرودوتي" لمصر كـ"هبة النيل". الوجه الآخر لهذا الواقع الذي يجعل من النيل نقطة قوة مصر، يجعل منه نقطة ضعفها، كحبل سري وشريان حياة، يمكن التحكم بها من خلال التحكم بسريانه.

ثم ماذا إذا لم تُحل أزمة سد النهضة بشكل معقول، وبنيت سدود أخرى في دول المنبع، وانخفض منسوب مياه النيل بشكل أسوأ من المتوقع.. ما هي بدائل مصر. غير الحرب؟!

هذا السؤال الاستراتيجي مطروح منذ عقود طويلة على الطاولة المصرية، وبلا شك هناك إجابات. في عهده طرح الرئيس السادات. جدياً مقترح شق مجرى شرقى لـ"نهر الكونغو" ليصب جزئيا في النيل، ويحل المخاوف المصرية ذات العلاقة.

في سياقٍ مختلف تماماً. دعا الدكتور المصري الكبير "نبيل علي"، في كتابه الرائع "الثقافة العربية في عصر المعلومات"، للتحرر من هذا الواقع الهيرودوتي الذي يجعل مصر مرتهنة للنيل وهبة له.

كما يليق بمثقف أكاديمي نوعي كبير. قدم الرجل رؤية استراتيجية استشرافية متماسكة، قائمة على التحديث والمعاصرة، تعتمد فيها مصر على البناء والتنمية، العلم والمعرفة، العقل والتكنولوجيا، الإبداع والإنتاج.. لنتحدث في الأخير بدلاً عن "مصر هبة النيل"، عن "مصر هبة العقل والجهد المصري".