أحمد الجعدي

أحمد الجعدي

تابعنى على

نجوين وجياب

منذ 8 يوم و 19 ساعة و 11 دقيقة

في عام 1975 استطاعت قوات شمال فيتنام دخول عاصمة الجنوب الفيتنامي سايغون والتي تحوّل اسمها بما باتت تعرف به اليوم هوتشي منه تيمناً باسم الرئيس الأول لفيتنام الشمالية القائد هوتشي منه.

وبهذا تكون قد انتهت واحدة من أشرس الحروب -إن لم تكن الأشرس على الإطلاق- بعد الحربين العالمية الأولى والثانية.

ولأن الصراع لم يكن وقتها مجرّد صراع بين الشماليين من جهة والقوات الأمريكية ومن تحالف معها من القوى الفيتنامية الجنوبية من الجهة الأخرى، بل كان صراعاً بين معسكرين تقاسما العالم بطوله وعرضه، ولهذا نجد أن تلك الحرب كان لها إنعكاس عالمي، وبإمكانك أيها القارىء ملاحظة ذلك في أسماء المواليد للعام 1975 وفي جنوب اليمن ذي النزعة الاشتراكية آنذاك كان اسم نجوين في أعلى ترتيب الأسماء المؤنثة وجياب هو العلم المذكر والمتصدر لقائمة الأسماء في ذلك العام.

في الحقيقة أن قصّة الاسمين في اسمٍ واحد ويرجع للقائد العسكري الشمالي فو نجوين جياب، وهو الضابط والسياسي والكاتب والصحفي الذي كان له دور بارز في تحرير الجنوب، والذي بانتصاره انتصر المعسكر الشرقي في واحدة من أهم معاركه المستمرّة منذ الحرب العالمية الثانية.

شاء القدر أن أسافر مرّتين في رحلة عمل إلى هذا البلد الذي لم أعرف عنه سوى أنه هزم أعظم قوّة شهدتها البشرية على مر التاريخ، ومن الأشياء المحدودة الأخرى التي أعرفها هي اسم آخر القادة المحررين الذي تقاسم اسمه ذكور وإناث مواليد عام 1975، هذا كل ما كنت أعرفه عن هذا البلد الشيوعي الموجود في أقصى الشرق من كرتنا الأرضية.

وصلت لمدينة سايغون عاصمة الجنوب والتي أصبحت تحمل اسم أول رئيس لفيتنام الشمالية هوتشي منه، وأثناء التجوال في المدينة بدأت باستخدام الجي بي إس ولاحظت بعض المواقع والمعالم التي تحمل اسم فو نجوين جياب، في اليوم الثاني انتقلت لمدينة بينهوا، وهي المدينة التي يقسمها شارع نجوين جياب إلى نصفين وكلما صادفت الاسم أشعر بأن لهذا الشخص حباً في قلوب الناس، وهو الشيء المتاح الذي تراه عين الغريب من الفوارق والاختلافات أو المشاكل الاجتماعية، إذ أنه ليس من السهل لغريب على ثقافة لا يتحدث لغة شعبها أن يفهم الأشياء بعمق وإنما يكتفي بما قرأه أو سمعه.

بعد أسبوع من العمل دعاني صديقي الفيتنامي هونج لبيته وتناول الغداء مع أسرته، ذهبت وكنت قد تناولت وجبة الغداء في مطعم هندي لأنني على يقين بأن الأكل هناك لم يكن ليناسبني، فلا بمقدوري تناول الدجاج المسلوق بأظافرها ورأسها، هذا إن لم يفاجئوني بالأشياء الأخرى التي اعتادوا أكلها.

كان عم صديقي على رأس الطاولة وفي الوسط قِدر يغلي بالماء والملح وبعض الخضرة يضعون فيه اللحم ثم بعد ان ينضج يتناولونه، انا اكلت من الورقيات وقليل من البطاط ثم حاولت مجاملةً اكل بعض اللحم ولكن خشيت أن اتقيأ عليهم وعلى الأكل.

تحدثنا عن بطولة كأس العالم، كان بيننا من حضر مباريات الدور الاول وكانوا محتفظين بتذاكر الدخول كنوع من الذكرى، ثم سألوني ماذا تعرف عن فيتنام، تحدثت معهم عن هوتشي منّه وبأن لدي خطة في الشهر الذي بعد هذا للعمل في هانوي، احسست بأنهم يحاولون ايصال معلومة ان هناك بعض الفوارق، ثم بالاسترسال بالكلام ذكرت لهم اسم نجوين جياب الذي يعد بطلاً في الدول الاشتراكية، لكن فاجئوني بردهم لقد اعتبروه محتلاً، هم لا يحبونه ولا يحبون الاتحاد السوفييتي ولا الصين، لكنهم مقتنعون بالذي هم فيه قناعة لا يساورك الشك حولها.

إن الفيتنامي اليوم يبيع صور ترمب تحت تمثال لينين، والبيتزا مع الفودكا، وصور نجوم هوليود بجانب المطرقة والمنجل، ليس لديهم متّسع من الوقت لاستحضار التاريخ والاقتتال حوله، هم بكل بساطة مشغولون بالاقتصاد والتنمية وحجم الاستثمارات الهائلة التي لا يمكن للأحقاد وجذور الخلافات السياسية والاجتماعية التطاول عليها.