فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

تعز تقاوم

الاثنين 21 يونيو 2021 الساعة 04:33 م

أمس الليل على غير المعتاد قضيت كم ساعة من السمر عند أحد الأصدقاء بعد جولة الزراعة، ثم روحت بعد منتصف الليل، وما لفت انتباهي وأسعدني في نفس الوقت أني على طريق العودة شاهدت بعض المحلات مفتوحة، وبعض الشباب مخزنين على بعض الأرصفة، والعديد من أصحاب المتورات واقفين في الجولات ومستعدين لتوصيل أي متنقل، كل ذلك يشعرك بالأمان، ما يعني أن تعز ليست في أمان، بل يعني أن تعز رغم كل ما تتعرض من تهشيم داخلي إلا أنها تقاوم من أجل أن تعود إلى طبيعتها المتمدنة.

بعد وصولي للبيت لقيت تعنيفا شديدا بالقول حسك الأمني تجاه شخصك صفر يا محامي ويا كاتب ويا سياسي!

وعندما أردت الاستفهام عن كل هذا الانزعاج قالت ألا تخاف على نفسك في هذه الظروف التي تمر بها تعز؟ كان المفروض أن لا تروح في هذا الوقت المتأخر إن كان هناك ما يستدعي تأخيرك خارج البيت!

اكتفيت بتوزيع الابتسامة بغرض التهدئة، ثم عقبت بالقول وأنا في حالة نشوه إن تعز تعود إلى طبيعتها، ولم يكن الوقت مناسبا لأخبرها بأني سبق وأن وجهت هذا السؤال قبل عشر سنوات إلى أحد المثقفين والسياسيين البارزين في اليمن، يومها كُنت على وشك الخروج من ساحة الحرية أنا والأستاذ على محمد الصراري بعد لقاء مطول في إحدى الخيام جمعنا الاثنين والسياسي البارز محمد الصبري والأستاذ عبدالله نعمان وسلطان السامعي، وقد استغرقنا حديثنا في هذا اللقاء عن مستجدات الثورة في تعز.

بعد الانتهاء من الحديث وعندما كُنا الاثنين نعدو الخُطى خارجين من الساحة سألت الأستاذ على الصراري بالقول أراك تتحرك وتسافر من صنعاء إلى تعز وتعود دون حارس أو حتى مرافق شخصي، ألا تخاف على نفسك في هذه الظروف التي تمر بها البلاد خصوصاً وأن النظام بدأ يفقد أعصابه ويعمل على إغراق أقدامه في الدم؟

وعلى الفور كان الجواب من قبل هذا السياسي البارز والكاتب المثقف بالقول: عندما يتخذ النظام قراراً بقتلي لن يستطيع حارس شخصي أو حتى طقم من المسلحين الأشداء توقيف عملية الاغتيال، لهذا لا داعي للحراسة أو الاستعراض المزعج لي شخصياً وللآخرين.

هكذا سمعت الجواب حرفياً من هذا السياسي المناضل الذي وُصف أثناء سقوطه في انتخابات 1993 بسقوط الثقافة في تعز، على حد وصف إحدى الصحف البريطانية، ومع أن جوابه كان مقنعاً أكثر من اللازم إلا أن جمجمته كانت تحمل الكثير مما يستحق الحماية خصوصاً وأن الحاكم كان في مرحلة ترنُح شديد بفعل أمواج الثورة الضاربة وهذا يعني أنه كان مستعدا أن يرتكب بعض الحماقات، كما أن السلاح الذي انضم إلى الثورة كان مستعدا هو الآخر أن يولع في تلك الحماقات من أجل تأجيج غضب الشارع واستقطاب القوى الصامتة إلى جانبه ضد صالح من أجل أن يرث سلطته كما تم وراثة سلطة الإمام بعد ثورة سبتمبر.

بلا شك مع جواب هذا السياسي تغير مفهوم الحماية في ذهني كثيراً وبشكل جعلني أشعر بالانزعاج وأحيانا بالسخرية كلما شاهدت شخصا يحاط بالمرافقين والسلاح، لكن الغريب والمزعج أكثر هو مشاهدتي لبعض قيادات السلطة المحلية والعسكرية في تعز وهم يتدثرون بالسلاح والحراسة التي تتحول مع البعض منهم إلى مواكب استعراض، وكلما شاهدت ذلك أتساءل في نفسي هل هؤلاء خائفون فعلاً على أنفسهم وممن هم خائفون، من المواطنين الغلابى؟

أم أنهم يخوفون الغلابى؟

أو أنه الاستعراض المزعج الذي يعكس مقولة إن الأواني الفارغة أكثر ضجيجاً؟

مهما يكن دوافع هؤلاء فإن المؤكد أن كل قائد عسكري أو مدني في تعز يمر مدججاً بالسلاح والحراسة فاعلم أنه يجر وراءه فسادا عظيما، وتعز بحراكها الجاري تقاوم فسادهم.