د. فاروق ثابت

د. فاروق ثابت

"نسيم السَّحَر" والسِّحْر.. أبو بكر سالم

منذ 75 يوم و 10 ساعة و 3 دقيقة

"وآنسيم السحر هل لك خبر.. عن عريب في وادي المنحنى".

ليست أغنية، ولكنها متحف فني صنع من أسطورة وسحر ودهشة.

تخدير إلهي عجيب يسلب اللُّب والفؤاد ويشل الفكر والتفكير بحدائق "نسيم السحر" الساحرة باليمن وخضرتها وإبداع أبو بكر. 

الصورة، والدهشة والجمال والحس والإحساس، يجعل الأغنية كائناً مبجلاً بالكمال. 

"وآنسيم السحر" تعيشني في صباح باكر طائر بالنسيم وقد مر المحبوب منه للتو؟

"وآنسيم السحر؟ هل لك خبر؟ 

عن عريب في وادي المنحنى."؟!

الصورة الشعرية هنا، امتزجت بمؤدى أسطوري رغم أن القصيدة تعود إلى القرن السادس الهجري تقريباً، لكن هذا المؤدى بعث فيها الحياة الابدية! 

المؤدى الذي هندسه أبو بكر بلحن صنعاني مزج كل شيء بأنامل فنان أنتجت لنا بناءً مدهشاً خالداً يتحدث عن نفسه بعذوبة وجمال وسكون وخفوت عجيب.

"وآنسيم السحر" تتردد الآن في ذهني واذهانكم بالايقاع الصنعاني والعزف الأسطوري المتصدر بالطبقة الخافتة لصوت أبو بكر سالم، بصحبة مؤثرات يخيل لي ولكم أن صوت أبو بكر ايضاً يغنيها بطبقات أخرى مع نفسه في ذات الأغنية، وهذه هي سر الخلطة العجيبة التي تتفرد فيها أغاني العملاق ابو بكر سالم.

فيما تكرار حرفي السين في كلمتي "وآنسيم السحر" جعل الدخول في الأغنية في ذروة نشوتها الموسيقية المدهشة، يتردد مع ذلك إيقاع الصحن الصنعاني، وهذا الايقاع إلى جانب اللون والعزف الممتد لموروث قديم بدأ وتطور منذ وجد الإنسان اليمني الذي وثق ذلك في منحوتات رخامية مكتشفة لآلة العود والأدوات المرافقة تؤرخ من الألف الأول قبل الميلاد.

ترددت كثيراً في الكتابة عن عملاق الفن اليمني لأني لن أفيه حقه وماذا بوسعي أن أقول عن بلبل اليمن ال"مغرد وادي الدور" و"وادي المنحنى" والذي أحب "ربا صنعا" واحببناه ومن لنا اليوم لنحاكيه يا "رسولي قم".

العملاق الذي طاف كل الألوان اليمنية بل واوصلها إلى العالمية كاللون العدني ثم الحضرمي فاللون الصنعاني الذي اتقنه وفاق فيه كل من يغنيه بل وصار فيه علماً.. 

اللون الذي أدخله أبو بكر لغناء الفرق الموسيقية بصحبة الآلات الأخرى لينتج شيئا فريداً من نوعه.

"الشعر ما أشعرك"، والفن ما أطربك، وكيف لي أن أسرد أو اتحدث عن عملاق الطرب اليمني الذي يسحر بصوته وأغانيه كل من يسمعه كلما غرد وصدح بصوته الشجي، أكان يمنياً أو عربياً أو حتى أجنبياً. 

يحسب لأبو بكر سالم بلفقيه أنه أول من قدم الفن الصنعاني للعالم بأسلوب متطور يمكن استساغته، وبالتنسيق مع العازف أحمد فتحي كان التطوير اشد انجازاً وعظمة.

فقد تم توظيف الموسيقى لهذا الغرض، وانصب اهتمام فتحي وابو بكر تحديداً على التطويع المقامي للحن كما أرورد ذلك الزميل الناقد جمال حسن. ففي أغنية “رسولي قم بلغني إشارة”، التي من مقام البيات، يتم تهيئة اللحن بقالب يمكن للأذن العربية استساغته.

وبصورة خاصة، استبعد “ربع البيمول” أو ما يسمى نصف ربع التون، وهو صوت موسيقي غير مستساغ للأذن العربية، كما أنه لا يستخدم في مكان آخر غير اليمن.

وقد أضاف أحمد فتحي على التوزيع الموسيقي لأغنية “رسولي” أسلوب عزف في الغناء الصنعاني يُسمى “الفرتاشة. وهو ما ظهر في الحوار بين العود والأوركسترا. وقد كان الغناء الصنعاني تحدياً لأبوبكر، خصوصاً مع المهمة التي اضطلع بها، وهي إبرازه في ثوب متطور، مع الحفاظ على خصوصيته وأساليبه التقليدية. وبأداء صوتي مبهر، قدم أبوبكر أغاني عديدة من هذا اللون. وعلى سبيل المثل، لم يصل أحد إلى أداء أبوبكر في مطلع أغنية “وامغرد بوادي الدور”، بذلك الامتداد الصوتي مع الطبقة العالية وفقاً للناقد.

في الصغر كنت أشاهد العامة مولعين بأغاني أبو بكر وكنت أحياناً أردد بعض كلمات الاغاني، رغم اني لا افهم معناها، عندما كبرت فهمت المعنى، بل وصار لدي كل الفنانين أمام اداء ابو بكر سالم ليسوا بذات المستوى.

والسبب طبعا امكانات الرجل الاسطورية، وكذا انطلاق اغانيه من الخليج حيث الامكانيات المادية متاحة له، فضلاً عن عبقرية الرجل الفنية، والتي عززها بالثقافة الموسيقية بالخبرة والتمرس والاطلاع ومجالسة خبراء، إلى جانب أيضا أنه شاعر متمكن. 

الاكثر دهشة من كل هذا أن الرجل موهوب باللعب بطبقاته الصوتية وقد منحته اليونسكو جائزة ثاني أفضل صوت في العالم، فيما كرمته ألمانيا بمنحه الكاسيت الذهبي، ناهيك عن مئات الجوائز والتكريم محلياً وعربياً ودولياً. 

ما زلت لم ابرح مكاني في "وادي المنحنى" بعد يا أبو بكر سالم.

وكلما أهم بالمغادرة أقول لقلبي "صبراً ما صبر". فالحبيب غادر و"انا في مكاني"، وصوتك يتردد في الوادي محمولاً على "نسيم السحر": 

"ليش تمنع وصالك يا حبيب 

من يحبك ولا يعشق سواك 

راقب الله وارجع عن قريب 

قبل يبلى جسيمه في هواك 

لست ألقى لدائي من طبيب 

غير رشفه هنيه من لماك 

لو رأى حالي العاذل عذر

حين ينظر جمالك والسنا".

لقد كنت أنت نسيم السحر اليماني الفني يا أبو بكر وما زلت ولن يتأتى لنا نسيم فني بحجمك.