حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

خرافة الغدير والولاية

الخميس 29 يوليو 2021 الساعة 10:07 ص

شغلنا الحدث التونسي عن الحديث عن الاحتفالات الجارية عند الشيعة السياسية بما يسمى "عيد الغدير"، خاصة وأن خرافة الغدير تحكم اليمن اليوم وتتحكم في لبنان وتنهب العراق.

حادثة الغدير هي حادثة تأليه علي بن أبي طالب وتحويله إلى شخص فوق مستوى البشر.

إذا بحثنا عن الشخصية المثالية، الإنسان الكامل في الوعي الإسلامي فهو ليس الرسول(ص) بل علي بن أبي طالب.

لقد نقلت كتب السنة بعض الأخطاء المنسوبة للرسول مثل عبوسه في وجه الأعمى، وخطئه في تأبير النخل وغزوة الخندق، وغضبه السريع في بعض المواقف مثل حادثة الإفك... أما علي، بالمقابل، فهو الشخصية المتكاملة، حسب ما قدمتها كتب التراث السني والشيعي، هو الشخصية النقية الكريستالية المثالية الخالية من العيوب.

لا أريد هنا التطرق لمسألة أن صناعة الصورة المثالية لعلي وآل البيت تمت في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي كنوع من المقاومة السياسية ضد التسلط الأموي من ناحية والتسلط العباسي من ناحية أخرى.

لكن نظرة نقدية بسيطة للأحداث المرتبطة بعلي كما ذكرتها كتب التراث نفسها، تكشف لنا عن شخصية مختلفة تماما لا تقل طمعا في السلطة عن معاوية ولا سفكا للدماء عن يزيد.

فطمع علي في السلطة كان مبكرا جدا منذ وفاة الرسول مع أنه لم يكن يملك أي مؤهل للحكم مقارنة بكبار الصحابة إلا قرابته من الرسول. 

لم يكن علي يتمتع بأي نوع من الذكاء السياسي أو القدرات القيادية التي تمكنه من قيادة الدولة التي تتحول بسرعة إلى إمبراطورية.

يؤمن السنة والشيعة معا أن عليا من الخلفاء الراشدين ويذهب بعض المغالين إلى أنه أفضلهم. لكن قراءة أحداث التاريخ تقول إن عليا لم يكن أبدا الخليفة الراشد الرابع وأن الخلفاء الراشدين، بالمفاهيم التراثية المعرفة للرشد، كانوا ثلاثة فقط هم أبو بكر وعمر وعثمان.. فقد تم تعيينهم بإجماع الارستقراطية القرشية بناء على الأسبقية في الإسلام والوضع القيادي ضمن قريش والتفاني في خدمة الإسلام منذ بدايته.

 أما علي فلم تجمع عليه الارستقراطية القرشية ورفضه أغلب أهل الشورى المعنيين ب"انتخاب" الخليفة.

ومما زاد الطين بلة أن عليا بعد محاولة استيلائه على الخلافة بالحرب ارتكب خطئين أثارا ضده نخبة الصحابة.. الأول أنه رفض محاسبة المتورطين في مقتل عثمان وإقامة الحد عليهم مخالفا بذلك حكما شرعيا واضحا، والثاني أنه أقال حكام الولايات الذين عينهم عثمان وولى بدلا عنهم ولاة ولغوا في سرقة المال العام دون أن يحاسبهم أيضا.

يرد البعض ذلك إلى أن عليا كان خاضعا "للثوار" ولم يكن يجرؤ على محاسبتهم وإلا فقد القاعدة الجماهيرية التي استند إليها للقفز إلى الحكم.. وهذا تأكيد على غياب القدرات القيادية عنده.

كان علي يرى أن السلطة ميراث عائلي لبني هاشم، وهو مؤسس جذور الهاشمية وتحويل الإسلام إلى دين عائلي.

 لهذا فقد خرج أولاده من بعده ليطالبوا بحقهم في الخلافة (دون أن نعرف من أين جاءهم هذا الحق)، بينما لم نسمع أن أبناء أبي بكر أو عمر أو عثمان طالبوا بحقهم في الخلافة بعد وفاة آبائهم.

الصورة المثالية ونصف الإلهية لعلي ليست موجودة عن المسلمين فقط، بل وجدتها عند بعض إخوتنا المسيحيين العرب أيضا تأثرا بقراءاتهم الإسلامية.

 كما أنها ليست صورة محصورة في العصر الحالي عند الإسلاميين فقط، بل إن اليساريين العرب أكثر حماسة للصورة المثالية والكاملة لعلي الذي يرونه نموذجا للعدل والثورة والاشتراكية! تأثرا بالقراءات المؤدلجة للتراث الإسلامي.

ليس الهدف من كلامي الانتقال من التأليه إلى الشيطنة، وإنما المساعدة على تكوين رؤية نقدية لشخصية محورية في الإسلام في الماضي والحاضر... شخصية ظلمتها السرديات بالصورة المثالية المستحيلة في عالم البشر.

رؤية نقدية ضرورية خاصة وأن خرافة الغدير يتم استخدامها كإيديولوجيا تحريكية وتحريضية في الصراعات السياسية اليوم.

*  *  *

يظنون أنهم بترويج فكرة الولاية سيجتذبون المزيد من الشباب إلى صفوفهم، لكنهم على العكس من ذلك يدفعون المزيد من الشباب لمغادرة الإسلام.

هناك روايتان للغدير والولاية:

الرواية السنية والرواية الشيعية. 

الرواية السنية فضيحة أخلاقية لأنها تقول إن سبب الغدير خلاف الصحابة على اغتصاب إحدى السبايا.

والرواية الشيعية فضيحة عقائدية لأنها تقول: إن الإسلام دين سلالي وخاتمته كانت توريث النبوة لابن العم المقرب والمحبوب.

والروايتان مخالفتان للعقل والأخلاق والفطرة الإنسانية.

كان من الممكن التعامل مع الرواية والغدير كقصص شعبية مثل قصص زيد الهلالي والسندباد وأحمد شوربان وأم الصبيان.

 كان من الممكن تحويل الغدير إلى احتفال فلكلوري ساخر حول قصة بدائية لنزاع على سبية جميلة.

لكن هناك من يصر على تحويل الدين كله إلى فلكلور لا عقلاني وخارج العصر.

سنضحك كثيرا، وستسقط أبراج كنا نظنها عصية وعالية.


*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك