فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

عن المثقف السياسي في اليمن 3/2

السبت 11 سبتمبر 2021 الساعة 06:41 م

في أحد مظاهرها الإشكالية تكمن مشكلة المثقف اليمني بكونه بدأ فعله الثقافي وهو في حالة من الانتماء لفكرة سياسية رسمت حدود وعيه الفكري والنقدي، أو أن الانتماء الحزبي كان دافعاً رئيسياً للتعاطي مع المسألة. الثقافية والمعرفية لدى السواد الأعظم من المثقفين في شمال اليمن وجنوبه، لهذا -وبرغم غزارة الأحداث السياسية والعسكرية التي تستدعي العمل النقدي- لم يتحول المثقف اليمني إلى مفكر وناقد بالمفهوم الذي يجعل منه مثقفا أو كاتبا يشتغل على مطاردة الحقيقة التي تعني بحد ذاتها الاشتغال على نقد الواقع والذات والسلطة وحتى التجربة الثورية والسياسية والحزبية دون حدود معتبرة ودون حسابات سياسية / تحييزية تفرضها فكرة الانتماء السياسي على حساب الحقيقة التي يجب أن يطاردها المثقف بوعيه النقدي (الأنتليجنسيا) أو المثقف الشمولي حسب تعبير فوكو.

ولما كانت مثل هذه المطاردة التي يجب أن يضطلع بها المثقف (الكاتب) تعد تعبيراً عن وعيه الحداثي واستقلال فعله النقدي الذي يؤسس لسلطة أهل الفكر، فإنها دائماً ما تزعج السياسي الذي يسعى دائماً إلى استقطاب المثقف في كل مجتمع يخوض معركة التغيير، وحتى إن كان هذا السياسي يعد امتدادا لسلطة الثورة، فإنه يسعى إلى تغييب حضور المثقف لصالح حضوره، -لا سيما في المجتمعات العربية- وقد وجدنا مثل هذا الامتعاض في بيان السياسي روبيسبير حين قال في معرض هجومه على الكتاب الفرنسيين إن نقد هؤلاء لا يعرف الحدود، لكن نقد هذا السياسي كان يعني يومها أن المثقفين أو الكتاب الفرنسيين لم ينفصلوا عن وعيهم بذاتهم كحاملين للحداثة، وعن دورهم التنويري النقدي في معركة التغيير، لهذا تحول الكثير منهم إلى مفكرين وفلاسفة لم يؤسسوا لسلطة أهل الفكر في فرنسا فقط، بل أكثر من ذلك أسسوا الفكر السياسي الحديث بكل مفرداته الحديثة التي ما زلنا نناضل من أجلها حتى اليوم في اليمن (مفهوم الدولة مفهوم الوطن والمواطنة المتساوية، مفهوم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية...)، وهذه المفاهيم هي التي غيرت ملامح العصر الحديث داخل القارة الأوروبية، وفاضت بكأسها على بقية الدول العصرية في المعمورة.

وعطفاً على ذلك فإن المثقف اليمني الذي لم يتحول إلى ناقد ومفكر تحولا تدريجياً بسبب فكرة الانتماء المسبقة (المذكورة أعلاه) إلى سياسي يخوض معترك السياسة والصراع السياسي -بحسب الموديل اليمني- من أجل تأسيس سلطة الحزب ومشروعه الأيديولوجي الأحادي الذي لا يؤمن بوجود الآخر، الأمر الذي جعل الصراع السياسي الحزبي وحتى الصراع الجهوي والمناطقي يتكرر ويعيد نفسه، منذ سبتمبر وحتى عام الوحدة اليمنية في الشمال والجنوب بكونه صراعاً من أجل السيطرة على السلطة -بكونها أداة لتطبيق مشروع إقصائي أحادي- وليس من أجل تأسيس مفهوم الدولة الوطنية والديمقراطية التعددية التي تجعل طريق الحكم آلية تقوم على عد الرؤوس وليس قطعها، وكذلك من أجل الوطن القابل للعيش المشترك لكل المختلفين في الرأي والتوجه، ما يعني في النتيجة أن هذا المثقف وجد نفسه يخوض معركته كمثقف بوعي أو بدون وعي، من أجل تأسيس سلطة سياسية -لا تؤمن حتى بوجوده ودوره التنويري- بدلاً من أن يعمل كمثقف وحامل للحداثة وداع للتغيير على تأسيس سلطة أهل الفكر في وجه سلطة رجال السياسة الذين ظلوا يستنزفون اللحظات التاريخية ويضيقون ذرعاً بوجود المثقف ودوره (المثقف عبدالفتاح اسماعيل مثلاً)، فقد تآمر عليه الكثير من رجال السلطة السياسية ومع أنه قدم استقالته من رئاسة الدولة حقناً للدماء إلا أنه قُتل في خضم الصراع السياسي على السلطة.

بيت القصيد أن المثقف الذي أصبح في نفس الوقت رجل سلطة سياسية لا يستطيع أن يؤسس لسلطة أهل الفكر، لأن سلطة أهل الفكر يجب أن تقوم في وجه سلطة السياسي، كما أن المثقف الذي تم جره عن طريق فكرة الانتماء المسبقة إلى مربع الصراع السياسي الحزبي حتى وإن كان في المعارضة لا يستطيع أن يؤسس لسلطة أهل الفكر في مجتمعه لأنه أصبح سياسيا متحيزا يناضل من أجل الانتصار للفكرة السياسية التي يؤمن بها الحزب أكثر من كونه مثقفا وناقدا وكاتبا يشتغل على مطاردة الحقيقة والانتصار لها، حتى وإن ترك بعد ذلك العمل الحزبي أو أهمل فكرة الانتماء السياسي يظل في نظر المجتمع محسوبا على طرف، أكثر من كونه مثقفا وناقدا، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المثقف السياسي يصبح في حالة صدام مع المثقف المنتمي للحزب الآخر، ما يعني في النتيجة أن المثقفين السياسيين، خصوصا في اليمن، يستحيل عليهم أن يتحولوا إلى نخبة متجانسة تشتغل على نقد الواقع عن طريق الأفكار التي تؤسس بطبيعة الحال لرأي عام فعال ومؤثر في معادلة الصراع ويكون هو في النتيجة -أي هذا الرأي العام الفعال- تعبيراً عن سلطة أهل الفكر التي حركت الجماهير في وجه السياسي الذي ما زال يستنزف اللحظة في شمال اليمن وجنوبه ويقود الناس كقطيع في معظم الأحيان.