أحمد سيف حاشد

أحمد سيف حاشد

متمرد رغم الأفول.. وصايا

الاثنين 25 أكتوبر 2021 الساعة 05:11 م

بدأتُ متمردا وعشت ولا زلت متمردا إلى اليوم، وقد بات عمري يذوي إلى أفول وزوال.

 الدنيا تدور، وعلى الباغي تدور الدوائر.. غدا أعود من جديد فارسا غير نادم.. أعلّم الأجيال كيف تقاوم.. حافل بالرفض أنا، والتمرد ما حييت.. أنا موجود وحي طالما لازلت أقاوم.

ربما الواقع يملي التريث، أو أنحني للعاصفة حتى تمر.. ربما أهدأ قليلا فسحة لا تطول، أو أنتزع من حرب طويلة استراحة من يحارب، ثم أعود أكمل ما بدأته.. لا أسلّم أمري لطاغٍ يريد تدجيني كنعجة، أو امتطائي كالدواب.. لازلتُ أقاوم بوعيي والنواجذ واليدين.

عندما يريد الظلم صمتي أقول له "الصمت عار"، وعندما يسألني الليل من نحن؟! أجيبه "نحن عشّاق النهار" وحينما يريد الغياب أن أغيب عن العيون أكون أكثف في الحضور.. لمّا تداهمني جحافل النوم العميق، يقرع صحوي أجراس الضمير، وتثور نفسي على صمتي ونومي.. 

الصمتُ موت.. لا استطيع الموت صمتا دون ضجيج.. لا أستطيع الموت مكبودا أو مُختنقا.

أرفض أن يعترشني الظلم مهما أغراني برغد أو نفائس.. قلق التحدّي يجوس داخلي كالأسد في محبسه.. أقاوم الموت في محبس الصمت المسيّج بالحديد.. أرفض كواتم الصوت وإن كانت من زجاج يشرب من التماعات الشموس.. أرفض خوانق صهيل الخيل، وألجمة الجموح حتى وإن صنعها ماهر من كرستال وماس، وصيّرها زاهية كالنجف.

وإن أُرغمتُ على الصمتِ هنيهة، فالمدى داخلي يكتظ صخبا وجلبة.. وإن انزلقتُ إلى ذاتي في لّحظة ضعفٍ أو وهن، لا يستريح ضميري من حرب ضروس تحتدم في أعماقي السحيقة، حتى يدوّي انتصاره في أرجاء واطرف المدى، ويبلغ الصوت المزمجر أعنان السماء.

قالوا مريض.. قلتُ أنا مَلِك نفسي أينما كنت وولّيت، لا أقبل أن أكون عبدا لأحد حتى نفسي.. أرفض مستميتا أن أكون في قطيع، أو أكون في الجموع مطيّة.. أنا حر ابن حر، ليس من ديني وعهدي عبد وسيد.. لم أكن في يوم عبدا أُجرُّ إلى سوق النخاسة.. لن أكون عبدا حتّى إن دعا للرق ألف نبي، ودعت للنخاسة ألف آية.

في الظلام المدلهم ضميري كان نجمي، وفي رأس المحيط كان ضميري البوصلة.

 ضميري أولا قبل الأنا.. قبل الجميع وإن كنتُ فيهم أنا.. ضميري يستصعب الصمت الجبان في وجه طغيان عرمرم.. عالم عبثي يموج بالمرارة والألم، ويوغل في التوحش كل يوم..

***

اطلق صوتك يا مواطن في العنان.. لا تستكين لطغيان الطغاة المجرمين.. وإن كان القدر قد قضى أن تذرع المحبس المسيّج بالحديد، اطلق زئيرك في المدى، واعلن أنك حر ابن حر وإن كنت سجين.

 ايقظ الشعب بزئير أسد لا يضام.. اطلق صوتك الجلل المهاب.. أكد وجودك واحتجاجك، وابلغ العالم أنك لازلت حيا لم تمت..

اشرب الماء زلالا، أو بنكهة ما تريد.. اعشق الحياة المملّحة بطعم التمرد والنضال.. والإنجاز الشهي بالتميز، والتفرد باللذاذة.. حرر معالي الوعي من سراديب الظلام.. من اغتيال الطفولة في سن الحضانة.. تمرد على وصفات الغباء الجاهزة في الجامعة والمدرسة.. تمرد على الوهم الكبير، حتى لا تعيش مستلبا أو مقهورا ذليل.

إن وجدت الحق بيّنا وواضحا، أمسك به واستمت كالغريق.. اقبض عليه باليدين.. عض عليه بأسنانك والنواجذ.. كابر كالسماء ولا تنحن لظالم.. لا تقبل الذل حتّى وإن صعد بك إلى عرش روما وفارس.. لا تقبل لقمة العيش المُغمسة بالنذالة.. قاوم من يريد أن يذلّك، أو يلغي من الوجود وجودك..

لا تخاتل.. لا تساوم.. لا تنازُل عن حقوقك.. لا تستمرئ الظلم يوما، حتى وإن حُشي بجنة من عسل أو نعيم.. تمرد في شروقك وغروبك.. تمرد وإن كنت تعيش اللحظة الأخيرة من حياتك أو أفولك.. تمرد على هذا العبث في كل حين.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك