فكري قاسم

فكري قاسم

تابعنى على

أشتي أقع طيار؟

الأربعاء 17 نوفمبر 2021 الساعة 10:46 م

وعمري سبع تقريبا ، عرفت من أمي إنها شلت اسمي من  أغنية "وفكري فوق طاير" لابوبكر سالم وطرت يومذاك من غرفة إلى غرفة داخل بيت جدي في حلم طار بي محلقا بين المطر إلى سماوات كثيرات استيقظت منه وصوت ابوبكر يتوطل داخل أذني وجسمي خاسع وانا مش في مرقدي المعتاد جنب أمي في الغرفة النازلية بالدور الأول ؛ وإنما ممدد في السقف على ظهري والسماء فوقي ماطرة في صباح بارد لا يمحى من ذاكرتي بدأت معه أحلام الطيران من بدري. 

ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة على أية حال  التي اطير فيها وأنا راقد ؛ لقد طرت من بعد ذلك لمرات كثيرة وبطرق  مختلفة في أحلام حلقت بي من سماء إلى سماء بفترات متغيرة من عمري. 

مرة اشوفني في الحلم أمشي بالجو لمسافات فوق رؤوس المارة والسيارات من شارع إلى آخر وأشاهد الناس تحتي جماعات وأفراد يسيرون على الأرض ويلوحون لي بأيديهم ورؤوسهم مقبعة تجاهي في العلو وكأنهم يشاهدون صبي طائر يمشي في الجو سيرا على الأقدام.

ومرة اطير فوق أسطح الأبنية وسقوف البيوت في الحارة وأتنقل بين النوافذ والقمريات وأشوف الناس كيف راقدين  داخل غرفهم في أحلام استيقظ منها وانا خاور أطير ومش داري كيفه؟!

ولما شفت الطيارة تحلق فوق سقف بيتنا لأول مرة أصبح جسمها عندي اول عملاق مدهش أشوفه يطير قدام عيوني وتمنيت لو أنني أستطيع الإمساك بها في حلم على الطاير. 

وكان عباس بن فرناس عندي هو أشهر شخصية اسمع عنها وأشعر بإني اعرفه شخصيا وأن بيني وبينه علاقة طيران في حلم واحد مشترك تخليني أشوفه أول إنسان حر في الحياة لإنه طار. 

وفي هاذيك المرحلة من التحليق كان أي واحد يسألني:

-  أيش تشتي تقع لما تكبر؟ 

أقوله على طول:

- طيار 

وسارت العشر السنوات الأولى من عمري على أية حال ، وانا وبعض الأصحاب في الحارة من هواة الكتابة على الجدران نمشي في الأزقة والفرشاة وقصاع الرنج والبخاخات بأيدينا وهات يا كتابة وياشخططة من جدار لآجدار نكتب بالرنج أحلامنا ومو نشتي نقع لما نكبر. 

اللي كاتب "اهلا بكم في عيادة الدكتور فلان" واللي كاتب  "مع تحيات المهندس فلان" واللي كاتب "ورشة الميكانيكي" فلان الفلاني واما انا كاتب عرض كل جداران الحارة وعرض باب سقف بيت جدي عبارة واحدة بكل ألوان الرنج "مع تحيات الطيار فكري".

وكانت كوة درجان السقف المطلة إلى الحارة من طاقة زجاجية سابطه وصلة واحدة من الطرف للطرف هي قمرة القيادة عندي كلما العب إننا اسوق الطيارة واطير.

وكان باب السقف المصنوع من حديد مطلي هو عندي باب قمرة القيادة في طيارة أحلامي الخاصة اللي اتزنط بها على عيال الحارة كلما يجوا يلعبوا عندي في السقف لعبة "ياطيارة طيري طيري" ولم يكن هناك مايسعدني أكثر من أن أسمع الجيران في الحارة يقولوا :

- الحجاج سايرين مكه ؛ هيا نسير المطار نودعهم.

- الحجاج راجعين من مكه هيا نسير نستقبلهم في المطار. 

انبع أول واحد مع أي سيارة طارفة سايره لاستقبال الحجاج في المطار. 

وهم يستقبلوا الحجاج في صالة الوصول وانا باق في سقف مطار تعز أحج بعيوني حوالين جسم الطائرة الواقفة في المدرج ومراعي متى اشوفها تطير الى السماء وحلمي ومنى عيني لما أكمل الثانوية اسير أدرس الطيران المدني.

وكيف شدرس طيران وانا مش حق رياضيات ولا فيزياء ولا كيمياء ولا هندسة فضائية ولا رأسي يستوعب هدارهن؟ 

هذا أمر جعلني أهبط اضطراريا إلى طموح آخر قريب من التحليق وتمنيت أن أتوظف في المطار؛  أي حاجة حتى ولو اشتغل مودع يبكي على المسافرين اللي مافيش معاهم من يودعهم ويبكي عليهم وهم مسافرين ولابوه من يبكي لهم من الفرح وهم واصلين.

 ولكن مع الأسف حتى وظيفة البكاء في وداع واستقبال المسافرين كانت هي الأخرى تشتي لها ظهر للمخارجة وأنا ظهري عباس بن فرناس اللي نكع من أول محاولة طيران بجناحين من ريش النعام. 

وبمرور الوقت بعد أن اقتنعت بأن حلم الطيران مش متاح لي أصبح حلمي المتواضع فيما بعد أن اركب طائرة فقط وأن أعيش متعة التحليق في الجو كمسافر من جيز الناس المحلقين في  السماء ؛ وكنت في الجامعة عندما تحقق لي ذلك وحظيت بأول رحلة طيران وماقدت ارقد من الفرح. 

وطول الليل وانا وقلبي طايرين في السماء.

 وكان الطريق عندي من سكن الطلبة في العاصمة صنعاء إلى المطار كأنه الطريق من القاع إلى القمة.

ويومها حبيت المطار وحبيت شكل التذاكر وحبيت كراسي إنتظار المسافرين في صالات المغادرة والوصول. 

وحبيت حمالي حقائب المسافرين وموظفي الجوازات وباص نقل الركاب من صالة المغادرة إلى مدرج الطائرات وسط المطار وحبيت علامات قياس الريح وصوت قرقعة اقدام الركاب وهم يصعدون سلم  الطائرة .

وحبيت ملابس الطيارين وأشكالهم واناقتهم وحبيت مهابة كابتن الطيارة وحبيت جمال وأناقة المضيفات وتسريحات شعورهن ورائحتهن وأحمر شفايفهن.

 وتمنيت لو أن أجلس في قمرة القيادة لمشاهدة العالم الخارجي من مقعد الطيار تماما مثلما كنت أشاهده من قمرة قيادة طيارة الأحلام في سقف بيت جدي في الحارة .

 وتمنيت لو أستطيع أن أخذ  هاتف الطيارة في يدي واقول للركاب  : 

- أهلاً بكم على متن طيران اليمنية 

- سنحلق الآن على ارتفاع 11 ألف قدم

-  اربطوا الأحزمة وانتبهوا تنكعوا 

وحبيت مقاعد الطيارة ولحظات الاقلاع والهبوط .

واصبح حلم الطيران عندي كمسافر رفيقي الدائم كلما شفت ناس رايحين المطار أو راجعين منه أو ماشيين من جنب مكتب سفريات وسياحة وأتمنى لو أكون طاير معهم في الجو الى أي وجهة يذهبون إليها تحت أي  سماء مش مشكلة؛ المهم اطير وابيض وجه عباس بن فرناس.

بعد الجامعة تحقق لي شيء يسير من أحلام التحليق في الجو وعرفت الطيران الحقيقي على أصوله وفق التقاليد اليمنية الشهيرة التي تطرحك وتطرح ابوك ارض ووجدت فيما بعد أن كل شيء طار بي في الأحلام طار مني بلا أجنحة وذهب بعيدا عني بلا أي حساب  لأحلام الفتى الطائر.

 وتسألوني كيف؟ وأيش حصل اقولكم التالي: 

أول بنت حبيتها طارت مني لأني لم أكن أفهما وهي طايرة!

أول فرصة عمل لي في الفضائية اليمنية وكنت الأجدر بها من واقع إمتحان القبول ؛ طارت مني وذهبت لآخر غيري معه وساطه طيرتني من كشف اسماء المقبولين! 

أول وظيفة حققت فيها خلال ظرف وجيز من عملي كمحرر صحفي شهرة سريعة في ظرف وجيز ؛ كانت في صحيفة حكومية رئيسها شافني انجح ؛ وطير بي فيسع من جنبه ما يشتيني أزاحمه في العمل!

أول فرصة حصلت عليها بالكتابة إلى صحيفة عربية عادنا إلا بدأت انتعش وطير بي وزير إعلام بلادنا بشكوى كيدية منه إلى وزارة الإعلام السعودية.

أول مشروع شخصي أنشأت فيه صحيفة أهلية نزولا عند رغبة حلم طارىء لاح في حياتي الاعتيادية فجأة في زمن خرافي وبمجرد ما نبعت إلى الوسط فر الحلم الطارىء وأحنبني بمواصلة إصدار صحيفة شتت ذهني البحث عن ضمار لمواصلة إصدارها وطيرت لي ضماري الحقيقي! 

سنة 2011 المشؤومة كنت كأي شاب انضم للساحة نزولا عند رغبة التغيير والتحليق بالبلد الناشىء إلى فضاء أوسع  لكن مجاذيب الإخوان ما عجبهم خطابي وقالوا أنت مندس وعميل للنظام وأمن قومي وطيروني من الساحة وطيروا بأم البلاد كلها نتف!

سنة 2013 شفت شعارات الحوثيين قدها مطعفرة عرض جدران الأحلام في حارتنا وشفت كثيرا من الأصحاب اللي كانوا زمان يكتبوا أحلامهم المهنية عرض الجدران ؛قدهم يكتبوا الموت لأمريكا الموت لإسرائيل عرض نفس الجدران ولاعد "مع تحيات المهندس فلان" ولا تحيات الدكتور علان" وكان أغلبهم قد أصبحوا في طرفة عين من شدة الإحباط مجاهدين يطيروا مع الله.

وجيت مره شمسح من عرض الجدار إحدى العبارات بحسن نيه وشكتب بدلها "الله الوطن الثورة الجمهورية الوحدة" نبع لي سواق متر كان زمان صاحب يشتي يقع طيار مثلي وقال مستنكرا:

- ليش تمسح الصرخة ؟ أو تشتي رأسك يطير؟

قلت له وانا اضحك : 

- لا خلي رأسي بقعته وانا اصلا قد بطلت أحلام الطيران في اليمن.

في 25 مارس سنة 2015 قرحت الحرب وكانت مشاهدة السماء وسماع أصوات الطائرات وهي تضرب بالصواريخ واحدة من أكثر الأشياء المرعبة التي دكت أحلام اليمنيين وشوهت بسمعة الطيران عندي.

وبينما كنت أطير نازحا من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى هربا من شبح الموت الذي يطارد الناس في الشوارع والأزقة والبيوت ويطير في الهواء مع كل غبار وكل دخان متصاعد من ركام الأبنية إلى السماء؛ كانت أحلامي القديمة في الطيران تتساقط من الجو مثل غربان ميتة.

وخلال سنوات الحرب طار كل شيء بشكل جنوني ومرعب جدا وبما يكفي لمشاهدة بلادي الآمنة وقد أصبحت مسلخ تطير فيه الرؤوس.

وبما يكفي أيضا لمشاهدة الأهل والجيران والأصحاب كلهم يتطايرون من الحياة مابين موتى ومشردون ونازحين في كل قرية ومدينة وبلاد.

 وبما يكفي أيضا لمشاهدة مدينتي الآمنة التي عشت لها وعشت حياتي كلها فيها ؛ وهي تطير  الى اياد الرباح!

وحتى الناس اللي اعتقدت يوما بانهم أجنحتي في التحليق شفتهم خلال سنوات الحرب وهم يتطايرون أمامي واحدا بعد الآخر في مشهد اناني باذخ الطيران ؛صدمته طيرت لي حبتين الشعر في اللي في  رأسي من شدة السأم .

سنة 2020 عدت إلى الحارة بعد اربع سنوات من النزوح وكان كل شيء فيها قد طار في موسم واحد ؛ لاعد جيران ولا عد حياة ولاعد دكاكين ولاعد خدمات ولا عد دولة ولا عد أمان ولاعد صحب وماعد إلا خراب مهول يطير النوم من عيونك وأنت تفكر بما آلت إليه مصائر اهلك وجيرانك في سني الحرب اللعينة العابثة والمدمرة .

وأما بيت جدي الذي عشت وترعرعت وطرت فيه لأول مرة من غرفة إلى غرفة، فكان قد تهدم وسقطت أدواره الثلاثة  إلى الأرض وكل شيء فيه طار مع الريح ؛ الطيقان؛ الابواب ؛ الخشب ؛ السقف ؛الأثاث؛العائلة عداي انا وباب السقف القديم لم نطر.

وهو باب عنيد من زمن عتيد عثرت عليه مرجوما بين الحطام والتراب وقد هو مذحل ومخزق مثل المنخل ونفس العبارة القديمة لا تزال مكتوبة عليه بنفس خطي القديم كآخر ما تبقى في البيت من أحلام الفتى الطائر؟!

* نقلا عن موقع اليمني - الأمريكي