الرهوي ووزراؤه.. رحلة بدأت بالتجميل وانتهت بالتصفية خلال 11 شهرًا
السياسية - منذ 5 ساعات و 47 دقيقة
لم تمضِ سوى 11 شهرًا على إعلان ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تشكيل ما أسمته "حكومة البناء والتغيير" برئاسة أحمد غالب الرهوي، حتى طُويت صفحة هذه الحكومة سريعًا بغارة إسرائيلية وُصفت بالدقيقة، استهدفت اجتماعًا لقياداتها في العاصمة صنعاء، يوم الخميس الماضي. العملية التي اعترفت بها الميليشيات لاحقًا لم تكشف فقط حجم الاختراق الأمني والاستخباراتي الذي تمكنت منه تل أبيب داخل قلب العاصمة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بل أماطت اللثام عن هشاشة البنية السياسية والتنظيمية للجماعة، التي عجزت طوال الأشهر الماضية عن تقديم أي إنجاز يذكر عبر هذه الحكومة.
فالحكومة التي تشكلت بعد مخاض عسير دام 11 شهرًا، كانت أقرب إلى واجهة إعلامية حاولت الجماعة من خلالها امتصاص الغضب الشعبي جراء الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، لكنها واجهت منذ البداية اتهامات بالعجز وتفشي المحسوبية داخلها. وجاءت الغارة الإسرائيلية لتمنحها نهاية صاخبة ومدوية، بعدما فشلت في تحقيق أي من الشعارات التي رُفعت عند تشكيلها، مثل "البناء والتغيير" و"محاربة الفساد".
ويرى مراقبون أن دقة العملية العسكرية توضح أن الحكومة الحوثية كانت تحت المراقبة الدقيقة منذ أشهر، وربما أن الاجتماع الذي استُهدف لم يكن سوى مصيدة نُصبت لاصطياد أكبر عدد من قيادات الصف الأول، في وقتٍ بدت فيه الميليشيا في أضعف حالاتها سياسيًا وأمنيًا. كما أن طريقة الإعلان المتأخر عن مقتل الرهوي ووزرائه، ومحاولة التعتيم الإعلامي على تفاصيل العملية، عززت الشكوك حول وجود خيانة أو تصفيات داخلية رافقت الضربة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر بشأن تماسك الجماعة في المرحلة المقبلة.
حكومة وُلدت من رحم الفشل
في العاشر من أغسطس 2024، أعلنت جماعة الحوثي تشكيل حكومة جديدة بقيادة أحمد غالب الرهوي، بعد أكثر من 11 شهرًا من التعثر والتجاذبات الداخلية بين أجنحة الميليشيا المختلفة. جاء الإعلان متأخرًا وسط ضغوط داخلية وخارجية، إذ حاولت الجماعة من خلال هذه الحكومة امتصاص غضب الشارع المتصاعد نتيجة التدهور المعيشي والخدمي غير المسبوق، والتغطية على فساد حكومة عبدالعزيز بن حبتور السابقة، التي غرقت في قضايا المحسوبية ونهب الموارد العامة، وتحولت إلى مجرد أداة لإدارة الصراع بين القيادات الحوثية النافذة.
لكن منذ يومها الأول، بدت حكومة الرهوي بلا مشروع واضح أو برنامج عمل حقيقي، وسط غياب أي مؤشرات ملموسة لتحسين الأوضاع الاقتصادية أو وقف الانهيار المتسارع للخدمات. بل إن الخطاب الدعائي للجماعة تجاوز الواقع، عبر وعود فضفاضة عن "البناء والتغيير" سرعان ما اصطدمت بالواقع المرير، حيث اتسعت الفجوة بين الحوثيين والمجتمع مع استمرار الانهيار الاقتصادي وتضاعف أسعار السلع الأساسية، في وقت كانت فيه الأسر تعاني من انقطاع الرواتب منذ سنوات.
ومع مرور الأشهر، لم يُسجل لهذه الحكومة أي إنجاز سوى تكريس سياسة الجبايات تحت مسميات متعددة، من "المجهود الحربي" إلى "دعم فلسطين" و"مواجهة العدوان"، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين. كما واجهت الحكومة أزمة ثقة حتى داخل أوساط الموالين للجماعة، خاصة بعد بروز خلافات حادة بين وزرائها ومراكز النفوذ الحوثية، التي لم تتوقف عن التدخل في صلاحياتها وتحويلها إلى مجرد واجهة شكلية.
>> ولادة مشوَّهة لحكومة ذراع إيران في صنعاء
ويرى مراقبون أن تعثر ولادة هذه الحكومة لأكثر من 11 شهرًا لم يكن سوى انعكاس لصراع داخلي محتدم بين الأجنحة الحوثية، وأن فشلها منذ البداية كان حتميًا بحكم أنها جاءت نتاجًا لتسويات هشة بين قيادات الجماعة، لا استجابة فعلية لمطالب الشارع أو متطلبات المرحلة.
الغارة التي فضحت المستور
الغارة الإسرائيلية الأخيرة لم تكن مجرد استهداف عسكري لقيادات حوثية، بل مثلت ـ بحسب مراقبين ـ "تصفية سياسية" لحكومة لم تستطع الصمود أمام التحديات الداخلية، وأكدت هشاشة البنية الأمنية والاستخباراتية للجماعة. فالمفاجأة الكبرى لم تكن في حجم الخسائر البشرية، بل في كون عدد من الوزراء والقيادات اجتمعوا في مكان واحد، في مشهد يناقض كل إجراءات السرية والحماية التي طالما تباهت بها الميليشيا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عاصفة حول كيفية حصول إسرائيل على إحداثيات دقيقة بهذا المستوى، وما إذا كانت العملية ثمرة اختراق أمني طويل الأمد أم نتيجة خيانة من داخل الصف الحوثي نفسه.
ويرى محللون أن الغارة كشفت أيضًا الصراع الداخلي المتصاعد بين الأجنحة الحوثية، إذ لم يكن خافيًا حجم التوتر بين قيادات نافذة في صنعاء حول توزيع النفوذ والموارد. ومع تزايد الشكوك، برزت فرضيات تتحدث عن تصفية حسابات داخلية غلّفتها إسرائيل بضربة نوعية، وهو ما يفسر حالة التخبط والتكتم التي أبدتها الجماعة عقب العملية، قبل أن تضطر للاعتراف بمصرع رئيس حكومتها أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه.
كما اعتُبرت الغارة مؤشرًا على مستوى الاختراق الاستخباراتي العميق الذي وصلت إليه أجهزة تل أبيب داخل مناطق سيطرة الحوثيين، الأمر الذي وضع علامات استفهام حول قدرة الميليشيا على حماية قياداتها فضلًا عن حماية السكان. وزاد من حدة هذه التساؤلات أن العملية جاءت بعد سلسلة غارات استهدفت قيادات عسكرية حوثية بارزة، ما يوحي بأن الجماعة تواجه أزمة غير مسبوقة في تأمين كوادرها العليا.
وفي أول تعليق من داخل الجماعة، كشف عضو ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" سلطان السامعي، أن مقتل رئيس الحكومة الرهوي وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية يؤكد ما سبق أن حذّر منه بشأن حجم الاختراقات الأمنية والاستخباراتية داخل العاصمة. وقال السامعي، في منشور على منصة "إكس"، إن "ما نواجهه اليوم من اختراقات أخطر من تلك التي تعرضت لها إيران وحزب الله"، لافتًا إلى أنه بدلاً من التعامل بجدية مع هذه التحذيرات، جرى التعامل معه بالاتهامات والإساءات.
وبالنسبة للشارع، فقد شكلت الضربة لحظة فارقة فضحت هشاشة حكومة "البناء والتغيير"، وأظهرت أنها لم تكن سوى واجهة سياسية فاشلة انتهت سريعًا تحت نيران السماء، لتترك خلفها فراغًا سياسيًا وتصدعات داخلية قد يصعب على الحوثيين لملمتها في المدى القريب.
نهاية سريعة لحكومة قصيرة العمر
رحيل رئيس الوزراء أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، شكّل إعلانًا عمليًا عن نهاية حكومة "البناء والتغيير" قبل أن تترك أي بصمة تُذكر في الواقع السياسي أو الإداري. ورغم محاولات الجماعة التغطية على الحادثة عبر بيانات مشحونة بالخطاب الدعائي حول "الصمود" و"التضحية"، إلا أن فتح أسرة الرهوي مجلس عزاء في مسقط رأسه بمحافظة أبين، أجبرها على الاعتراف بمقتله، لتسقط معها آخر أوراق التمويه الإعلامي، وينتهي بذلك مشروعها السياسي القصير الذي لم يعش سوى أشهر معدودة.
ولم يكن سقوط هذه الحكومة مجرد خسارة سياسية، بل مثل صفعة قوية لخطاب الحوثيين أمام قواعدهم وحلفائهم، إذ كشفت الغارة أن الوزراء والقيادات لم يكونوا في حالة نشاط اعتيادي كما روجت البيانات الرسمية، بل في اجتماع مغلق داخل مبنى مدني في صنعاء، وهو ما عزز فرضيات "الإخفاق الأمني" و"الخيانة الداخلية". كما أن تكليف محمد مفتاح كقائم بأعمال رئيس الوزراء لم يبدُ كحل مرحلي بقدر ما عكس حجم الارتباك داخل الصف القيادي للجماعة.
ويرى مراقبون أن هذه النهاية السريعة لحكومة الرهوي، التي تشكلت أصلاً للتغطية على فساد حكومة عبدالعزيز بن حبتور السابقة وامتصاص غضب الشارع، تعكس بوضوح عجز الجماعة عن بناء مؤسسات مستقرة أو تقديم بدائل حقيقية لمعاناة اليمنيين المتفاقمة. وما بين ولادة متعثرة دامت 11 شهرًا ونهاية مدوية بغارة دقيقة، طويت صفحة حكومة لم يُكتب لها أن تترك أي أثر سوى تكريس صورة الارتجال والضعف التي باتت تلاحق الميليشيات حتى في عقر دارها.
مؤشرات انقسام وصراع داخلي
اللافت أن مقتل الرهوي وحكومته يأتي في ظل تصاعد مؤشرات الانقسام داخل البنية القيادية للحوثيين، حيث تشهد الجماعة تنافسًا محمومًا بين تيار متشدد يدفع نحو مزيد من القبضة الأمنية وتوسيع دائرة الجبايات لتمويل الحرب، وتيار آخر يحاول البحث عن حلول سياسية أو اقتصادية لتخفيف الاحتقان الشعبي وتجنب الانفجار الداخلي.
ويشير مراقبون إلى أن تعيين محمد مفتاح قائمًا بأعمال رئيس الوزراء قد لا يكون مجرد إجراء إداري، بل خطوة اضطرارية لامتصاص الخلافات، خصوصًا مع ورود تسريبات عن امتعاض بعض القيادات من طريقة إدارة ملف الحكومة السابقة، واتهامات متبادلة بالفساد والتقصير. ويرى محللون أن الغارة الإسرائيلية لم تقتصر على إنهاء حكومة متعثرة، بل وجهت ضربة قاسية لمعنويات الجماعة وكشفت هشاشتها الأمنية، في وقت يتحدث فيه البعض عن "تصفية داخلية مقنّعة" قد تكون شاركت فيها أطراف حوثية متصارعة على النفوذ والمصالح.
ويرى المراقبون أن تداعيات مقتل الرهوي قد تدفع نحو تعميق الشرخ داخل الجماعة الحوثية، خصوصًا مع تضارب المصالح بين الجناح السياسي والجناح العسكري، فضلًا عن هيمنة أسرة الحوثي على القرارات المصيرية وتهميش بقية المكونات الحليفة. فبينما يسعى بعض القيادات إلى الحفاظ على وحدة الصف خشية انهيار الجبهة الداخلية، يتداول ناشطون ودوائر مقربة من صنعاء أن الخلافات حول تقاسم النفوذ والموارد مرشحة للتفاقم، ما قد يفتح الباب أمام موجة إقالات وتعيينات جديدة لترضية أطراف بعينها. ويذهب مراقبون أبعد من ذلك بالقول إن الغارة قد تكون بداية مرحلة "تصفية حسابات داخلية"، يجرّ فيها الحوثيون بعضهم بعضًا في صراع مكتوم، ستظهر نتائجه تباعًا خلال الفترة القادمة.
انعكاسات على شكل السلطة الحوثية
مثّلت نهاية حكومة الرهوي ضربة قاصمة لصورة الجماعة سياسيًا وإداريًا، إذ أعادت إلى الواجهة حقيقة هشاشة بنيتها الداخلية، وعجزها عن حماية حتى أعلى مستوياتها القيادية. داخليًا، يتوقع أن تزداد حالة الاحتقان الشعبي مع تواصل تدهور الخدمات وارتفاع الجبايات، وسط قناعة متنامية لدى الشارع بأن الجماعة لا تملك سوى أدوات القمع والدعاية.
وخارجيًا، ستؤثر هذه الحادثة على علاقات الحوثيين بحلفائهم الإقليميين، إذ ينظر إليها كمؤشر على ضعف أمني واستخباراتي قد يحد من ثقة الداعمين بهم، في وقت تسعى فيه الجماعة لتكريس نفسها كسلطة أمر واقع قادرة على إدارة مؤسسات الدولة. وبينما تحاول الميليشيات التغطية على خسارتها عبر خطاب “المظلومية” ومهاجمة الخصوم، إلا أن تداعيات الغارة ستبقى ماثلة كدليل على أن أي مشروع سياسي تبنيه الجماعة يظل هشًا وعُرضة للانهيار في أي لحظة.
في خضم الصدمة السياسية التي أحدثها مقتل القيادي الحوثي أحمد غالب الرهوي، أثار ناشط سياسي رفيع المستوى تساؤلات حول حقيقة وفاته، مشيرًا إلى أن السبب قد لا يكون الغارة الإسرائيلية كما يُروّج، بل نتيجة إهمال متعمد من قيادات الجماعة وغياب أي حماية له. وأكد الناشط علي البخيتي أن الرهوي، الذي كان أحد أبرز الأوراق السياسية للحوثيين، لم يكن ضحية عسكرية بقدر ما كان ضحية نظام داخلي يُستخدم فيه الإنسان أداة ثم يُنسى عند الموت.
وقال البخيتي: "الجماعة لم تُخفِ تحركات الرهوي، بل استُخدم كواجهة سياسية، وكما استثمروه حيًا، سيستثمرون جسده بعد موته"، مشيرًا إلى أن ما جرى ليس حادثًا عابرًا، بل جزء من نهج استراتيجي طويل الأمد يوظف الموت كوسيلة للنفوذ والتأثير السياسي. وأوضح أن الرهوي كان يتحرك بحرية شبه مطلقة دون أي حراسة شخصية، ولم تعلن الجماعة رسميًا عن مقتله أو سبب وفاته، رغم أهميته السياسية.
التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن الجماعات المسلحة مثل الحوثيين تدرك أن الرمزية السياسية لأي قائد تتعزز بعد وفاته، خاصة إذا صُوّر على أنه "شهيد" أو ضحية، مما يزيد من شرعية الجماعة داخليًا وخارجيًا. وفي حالة الرهوي، يبدو أن استخدام جثمانه كأداة دعائية يُحتمل بقوة، خصوصًا مع تزايد الضغوط الدولية على الجماعة وتراجع شعبيتها في بعض المناطق.