الإعلام الفرنسي يعري "الاندساس الإخواني" ويحوّله إلى قضية رأي عام أوروبية
العالم - منذ ساعة و 31 دقيقة
باريس، نيوزيمن:
في تحول لافت في المشهد السياسي والإعلامي الأوروبي، نجح الإعلام الفرنسي في تحويل ما كان ملفاً أمنياً حكومياً مغلقاً إلى قضية رأي عام متداولة على نطاق واسع داخل فرنسا وفي عواصم أوروبية أخرى، وذلك بعد كشف ما يوصف بـ الاندساس الذي تمارسه جماعات مرتبطة بأيديولوجية الإخوان المسلمين داخل المجتمع الفرنسي.
وقد لعبت الصحافة الفرنسية، بدعم من تقارير حكومية وأجهزة استخبارات، دوراً حاسماً في إبراز مضمون هذا الاندساس وتحويله إلى محور نقاش سياسي واسع داخل فرنسا ثم لاحقاً في أوروبا ككل، كما رصَد تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية حول الموضوع، مسجّلاً ردود الفعل والتداعيات على مستوى الاتحاد الأوروبي.
الأمر بدأ في مايو 2025 عندما أعدت الحكومة الفرنسية تقريراً خاصاً حول جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في البلاد، وصف هذا التقرير استراتيجية الجماعة بأنها "اندساس من الأسفل" (entrisme par le bas)، أي محاولة التغلغل التدريجي في المجتمع والمؤسسات عبر شبكات جمعيات ومؤسسات دينية وثقافية وتعليمية، بهدف إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي على المدى الطويل دون الاعتماد على العنف المباشر.
وقد نشرت صحيفة لو فيغارو تفاصيل واسعة من هذا التقرير قبل عرضه رسمياً على مجلس الدفاع الفرنسي مما أثار موجة إعلامية وسياسية غير مسبوقة جعلت مصطلح الاندساس يتردد يومياً في وسائط الإعلام والخطاب السياسي الفرنسي.
وساهمت هذه التغطية المبكرة والتسريبات المكثفة في إجبار دوائر القرار الفرنسية على التعامل مع المسألة بجدية. فالصحافة، ولا سيما قناة بي.إف.إم.تي.في وغيرها من الوسائل، لم تكتفِ بنقل مضمون التقرير، بل عمّقته عبر مناظرات حية وتحقيقات وتحليلات موسّعة حول طبيعة التهديد وسبل مواجهته، مما أسهم في خلق إجماع سياسي تدريجي في الأوساط الفرنسية الرسمية على اعتبار الظاهرة تهديداً حقيقياً.
وأشارت بي.إف.إم.تي.في إلى أن التغطية الإعلامية المستمرة منذ 2025، بما في ذلك التسريبات والمناظرات الحية، "ساهمت في بناء إجماع سياسي حول التهديد"، مؤكدة أن الإعلام "أجبر على نقاش عميق" حول الاندساس.
التغطية الإعلامية المتواصلة أثرت على المناخ السياسي، حيث دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مطالبة الحكومة في يوليو 2025 بتقديم مقترحات سياسية وإجرائية جديدة لمواجهة ظاهرة الاندساس، بما في ذلك أدوات عقابية مالية وإدارية، وتشديد الرقابة على الجمعيات والأنشطة المؤثرة قبل الانتخابات البلدية في 2026.
وقد ركز الخطاب السياسي المتصاعد على ما يوصف بـ الإسلام السياسي الهادئ الذي ينتشر عبر مؤسسات المجتمع المدني والجماعات الدينية، واعتُبر هذا وقوداً لمزيد من المواقف السياسية الصارمة في الدوائر الفرنسية الرسمية.
ويمثل الاندساس في السياق الفرنسي والأوروبي ما يُعرف بـ "mouvance des Frères musulmans" أي الشبكة أو الحركة المرتبطة تنظيمياً وأيديولوجياً بجماعة الإخوان المسلمين، دون أن تكون فرعاً رسمياً مباشراً للتنظيم الأم. وهذا المصطلح يُستخدم في التقارير الرسمية لوصف مجموعة من الجمعيات والمؤسسات والأفراد الذين يُعتقد أنهم يتبنون أو يروّجون لأفكار الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، وتتمحور حول إعادة إسلامية المجتمع تدريجياً عبر اندماج واسع في المجتمع والمؤسسات دون عنف مباشر.
وقد بيّن التقرير نفسه، الذي أعدّه جهازان حكوميان فرنسيان، أن عدد الأعضاء المنتمين إلى هذه المؤانسة في فرنسا يُقدّر بنحو 100 ألف شخص، بعد أن تضاعف تقريباً خلال السنوات الأخيرة، وأن الشبكة تمتد عبر نحو 139 مكان عبادة (تمثل نحو 7٪ من إجمالي أماكن العبادة الإسلامية)، إضافة إلى نحو 280 جمعية و21 مؤسسة تعليمية خاصة تعمل في مجالات دينية وخيرية وتعليمية وشبابية. ورغم أن التمويل الخارجي لهذه الشبكات لا يزال مستمراً عبر صناديق الوقف وشركات عقارية، إلا أن السلطات حاولت تقييده وتقليص تأثيره, مما غذّى النقاش العام حول حدوده وسماته.
وعلى الرغم من أن التقرير لم يورد دليلاً على أن المسلمين في فرنسا يسعون إلى إقامة دولة إسلامية أو فرض الشريعة بشكل منفرد، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، باعتباره يشكل خطر تآكلي على القيم العلمانية والنسيج الاجتماعي الفرنسي، وهو ما ورد في تقرير حكومي وصف الحركة بأنها تسعى إلى "تغيير المجتمع تدريجياً من الداخل." وهذه القراءة حظيت بشهرة واسعة عبر وسائل الإعلام.
امتد تأثير هذا النقاش إلى المستوى الأوروبي، حيث نقلت وسائط إعلام مثل دويتشه فيله الألمانية وإر.تي.إس السويسرية تفاصيل التقرير الفرنسي واستخدمته كمرجع في نقاشات مماثلة في دول مثل ألمانيا وهولندا والنمسا، ما أعاد إحياء الجدل حول الإسلام السياسي وشبكاته داخل الاتحاد الأوروبي، ودفّع بعض الأطراف إلى الدعوة لإجراء تقييم أوروبي مشترك لهذه الشبكات.
وتجسّد هذا التأثير في قرار الجمعية الوطنية الفرنسية في 22 يناير 2026، حيث اعتمد البرلمان الفرنسي بأغلبية واضحة نصاً غير ملزم يدعو إلى إدراج "شبكات الإخوان المسلمين ومسؤوليها" على قائمة المنظمات الإرهابية الأوروبية، مستنداً في ذلك إلى التقرير الحكومي الذي سلط الضوء على "إسلامية هادئة" تنتشر عبر روابط اجتماعية متعددة.
وقد وصف القرار الشبكة العابرة للحدود بأنها تهديد أيديولوجياً عالمياً يسعى إلى "فرض الشريعة" ويعمل كـ "جسر نحو التطرف", فيما اعتبرت الحكومة الفرنسية، عبر وزيرة الفرنكوفونية إليانور كاروا، أن الهدف من هذا التوجّه هو مكافحة "الأيديولوجيا الانفصالية"، لا استهداف المسلمين كدين. وإلى جانب ذلك، عبرت مجموعات حقوقية ودينية عن مخاوف من أن تركيز النقاش على هذا النوع من التقارير الإعلامية قد يساهم في تعزيز شعور التمييز ضد المسلمين أو الخلط بين الإسلام كدين وبين أيديولوجيات سياسية معينة.
وفي السياق الاجتماعي والثقافي، صدرت تصريحات من نشطاء مثل فضيلة معروفي، التي أشارت إلى أن سنوات طويلة من التحذير لم تلقَ اهتماماً كافياً، لكن ما يحدث الآن سمح لبعض الأصوات بأن تُسمَع علناً في بعض وسائل الإعلام، رغم أنها تقال بأسلوب نقدي متباين. كما تناول بعض المعلقين تصريحات مثيرة مثل تلك التي نسبت إلى المفتش العام للقوات المسلحة الفرنسية حول سيطرة الإخوان على بعض مظاهر الحياة الاجتماعية، ما أثار نقاشاً حول مدى تأثير المصطلحات الإعلامية في توجيه النقاش العام.
وبحسب ما ترجح أغلب التحليلات التي رصدتها الصحافة والتقارير الحكومية، فقد لعب الإعلام الفرنسي دوراً مركزياً في نقل ملف الاندساس من دائرة سرّية إلى دائرة عامة وسياسية واسعة، ليس فقط داخل فرنسا، بل عبر أوروبا، مما أدى إلى تشريعات ومبادرات سياسية غير مسبوقة تهدف إلى التعامل مع ما يُعدّه البعض تحدياً أيديولوجياً على المدى الطويل. يعكس هذا التحول قوة الإعلام في تشكيل أولويات النقاش العام وربط الرؤى الأمنية بالقيم السياسية والاجتماعية في أطر أوسع مما كانت عليه في السابق.
>
