أمريكا وإيران.. عودة محادثات الاتفاق النووي والأصابع على الزناد
العالم - منذ ساعة و 38 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:
وسط أجواء متوترة تجمع بين التهديد العسكري والتحركات الدبلوماسية الحساسة، تستعد الولايات المتحدة وإيران لاستئناف محادثات نووية مباشرة يوم الجمعة، في محاولة ثالثة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق جديد مع طهران.
وتأتي هذه الجولة في وقت تتداخل فيه المساعي الدبلوماسية مع تصعيد عسكري واضح في منطقة الخليج، ما يضع المنطقة على حافة مواجهة محتملة، بينما تكشف التجارب السابقة عن هشاشة الثقة بين الطرفين وخطر تحول المسار الدبلوماسي إلى مواجهة مسلحة.
وبحسب مصادر أمريكية نقلها موقع "أكسيوس"، يمتلك ترامب أوراق ضغط كبيرة لدخول المحادثات، أبرزها حشد عسكري واسع يشمل حاملة طائرات وأصولًا عسكرية إضافية، ما يشكل تهديدًا عسكريًا جديًا لطهران. وتأتي هذه الخطوة في ظل تراجع موقع النظام الإيراني بعد احتجاجات واسعة شهدتها البلاد مؤخرًا، ما زاد من عزلته الدولية.
المسؤولون الأمريكيون أبدوا تشككهم في استعداد المرشد الأعلى الإيراني لتقديم تنازلات تتماشى مع شروط واشنطن، معتبرين أن الفجوة بين الطرفين لا تزال كبيرة، وهو ما يزيد من هشاشة المفاوضات المقبلة.
ونقلت مصادر موقع "أكسيوس" عن مسؤولين مطلعين أن إيران طالبت بإجراء تعديلات على مكان وشكل المفاوضات المقررة يوم الجمعة. وتشمل هذه المطالب نقل مكان الاجتماع من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وعقد المحادثات بصيغة ثنائية تقتصر على الولايات المتحدة، بدلاً من الصيغة متعددة الأطراف التي كانت تشمل حضور عدد من الدول العربية والإسلامية كمراقبين.
وأكد دبلوماسي في المنطقة لوكالة رويترز أن إيران تسعى أيضًا إلى تركيز النقاش على الملف النووي فقط، وعدم إشراك دول المنطقة مباشرة، وهو ما قد يحد من تأثير الأطراف الإقليمية على النتائج النهائية.
وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تكليف وزير خارجيته عباس عراقجي بتمثيل طهران في المفاوضات، مشددًا على ضرورة أن تُجرى في بيئة مناسبة خالية من التهديدات والتوقعات غير المنطقية. وأضاف بزشكيان أن المحادثات ستتم "في إطار المصالح الوطنية" لطهران، مؤكدًا استعداد بلاده للدخول في حوار دبلوماسي، لكنه شدد على أن المفاوضات لا يمكن أن تُجرى تحت التهديد أو الترهيب.
وفي مؤشر على تصاعد التوتر الميداني، اقتربت زوارق حربية إيرانية من ناقلة نفط أمريكية في مضيق هرمز صباح الثلاثاء، وأمرت السفينة بالتوقف، قبل أن تزيد سرعتها وترافقها لاحقًا سفينة حربية أمريكية حتى بر الأمان. الناقلة، المسماة "ستينا إمبيراتيف"، كانت ترفع العلم الأمريكي، فيما أوضحت وكالة فارس الإيرانية أن السفينة دخلت المياه الإقليمية دون تصاريح، لكنها غادرت المنطقة دون حوادث.
وقال ترامب للصحفيين إن هناك محادثات جارية مع إيران، وأضاف: "لدينا سفن متجهة إلى إيران الآن، سفن كبيرة، ونجري محادثات مع إيران. سنرى كيف ستسير الأمور". كما حذر من "أمور سيئة" ستحدث إذا أخفقت إيران في التوصل إلى اتفاق.
ويأتي ذلك فيما أكدت مصادر أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سيجتمعان يوم الجمعة في إسطنبول لمناقشة اتفاق نووي محتمل وقضايا أخرى، بمشاركة عدد من الدول الإقليمية كمراقبين. وقال مسؤول عربي مطلع إن الاجتماع يأتي بعد تدخلات من مصر وقطر وتركيا وسلطنة عمان، في محاولة لاحتواء التصعيد.
وتمثل الجولة الجديدة محاولة بعد جولتين سابقتين فشلتا في تحقيق اختراق. الجولة الأولى انتهت بتصعيد عسكري ضمنيًا، حين وافق ترامب على ضربات إسرائيلية ضد أهداف إيرانية، قبل أن تصدر الولايات المتحدة أوامر بضرب منشآت نووية داخل إيران في يونيو/حزيران الماضي.
أما الجولة الثانية، في خريف العام الماضي، فقد حاولت واشنطن استغلال رغبة طهران في تجنب إعادة فرض العقوبات الدولية لإقناعها بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، لكن دون نجاح. وتجربة الفشل السابقة عمّقت حالة عدم الثقة المتبادلة، خصوصًا بعد ما اعتبرته إيران "خداعًا أمريكيًا".
وفي الوقت نفسه، لم تخفِ واشنطن استعدادها العسكري، إذ نقلت قوة نارية كبيرة إلى المنطقة تحسبًا لأي سيناريو عسكري محتمل. وكان ترامب قد اقترب سابقًا من إصدار أوامر بضرب إيران، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، فيما ساعد انتشار القوات الأمريكية في الحد من زخم الاحتجاجات داخل إيران.
وسط هذا المناخ المتوتر، لعبت تركيا وقطر ومصر وأطراف أخرى دور الوساطة لتقليل حدة التوتر، وأسهمت في ترتيب اجتماع إسطنبول المرتقب بمشاركة دول عربية كمراقبين. كما أبدت فرنسا اهتمامًا بدمج الملف الإنساني في إيران ضمن أولويات الحوار قبل معالجة الملفات النووية والصاروخية.
وشهدت واشنطن نشاطًا مكثفًا لمسؤولين إسرائيليين، حيث زار كبار الجنرالات العاصمة الأمريكية لتقديم خطط هجومية ودفاعية في حال اندلاع حرب مع إيران. وبينما كانت تل أبيب تتجنب الضربات المباشرة خشية الرد الإيراني، تشير مصادر أمريكية إلى أنها باتت أكثر اندفاعًا نحو الخيار العسكري، في حين يستمر ترامب بالتوازن بين التهديد العسكري والحوار الدبلوماسي.
مع اقتراب موعد المحادثات، يبقى المسار الدبلوماسي هشًا. إيران تصر على التركيز على الملف النووي فقط، في حين يواصل ترامب التلويح بالقوة، وهو ما يضع المنطقة في حالة ترقب شديد. ويعتبر محللون أن أي فشل قد يعيد المنطقة سريعًا إلى حافة التصعيد، خصوصًا في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية.
وتمثل هذه الجولة من المفاوضات اختبارًا جديدًا للدبلوماسية الأمريكية والإيرانية، وسط مشهد مليء بالمخاطر العسكرية، وعدم الثقة المتبادلة، والضغط الإقليمي والدولي. تبقى النتائج مفتوحة، ويترقب العالم بحذر ما ستسفر عنه المحادثات في إسطنبول يوم الجمعة، بين احتمالات تحقيق اتفاق نووي جديد أو تصعيد إضافي في منطقة الخليج.
>
