استئناف المحادثات الروسية – الأوكرانية.. الإمارات تصنع السلام
السياسية - منذ ساعة و 35 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن:
في نظام دولي يتسم بتآكل الثقة وتصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، لم تعد الوساطات التقليدية قادرة وحدها على كسر الجمود أو جمع الخصوم حول طاولة واحدة. ومع تعثر منصات التفاوض الكلاسيكية وتزايد منطق الاصطفاف، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعل دبلوماسي قادر على التحرك في المساحات الرمادية بين المعسكرات الدولية، مستندة إلى رصيد متراكم من المصداقية والعلاقات المتوازنة.
ويعكس استئناف محادثات السلام الروسية – الأوكرانية في أبوظبي، بمشاركة الولايات المتحدة، إدراكًا دوليًا متناميًا لخصوصية النموذج الإماراتي في الوساطة؛ نموذج لا يقوم على الضغوط أو فرض الأجندات، بل على إدارة التوازنات الدقيقة وبناء الثقة تدريجيًا بين أطراف النزاع.
وتأتي استضافة الإمارات لجولة جديدة من المحادثات في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار المواجهات العسكرية وتزايد الهجمات على البنية التحتية الحيوية، خصوصًا في قطاع الطاقة. وفي ظل هذا التصعيد، يبدو مجرد انعقاد الحوار بحد ذاته مؤشرًا على وجود قناعة مشتركة بأهمية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
وهنا تتجلى أهمية البيئة التي توفرها أبوظبي؛ بيئة سياسية مستقرة وأمنية آمنة، تتيح إجراء محادثات عالية الحساسية بعيدًا عن ضغوط الإعلام والاستقطاب الداخلي في العواصم المعنية. فالإمارات لا تقدم فقط قاعة اجتماعات، بل تقدم مناخًا تفاوضيًا قائمًا على السرية والانضباط واحترام خصوصية الأطراف.
اختيار أبوظبي لم يكن خيارًا بروتوكوليًا، بل يعكس ثقة الأطراف المتنازعة في قدرة الإمارات على إدارة التوازن دون الانحياز. فالدولة التي تربطها علاقات استراتيجية وثيقة بواشنطن، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات مفتوحة مع موسكو، أثبتت قدرتها على الفصل بين علاقاتها الثنائية ودورها الوسيط.
الحياد الإيجابي والثقة المتراكمة
ترتكز المقاربة الإماراتية في صناعة السلام على مفهوم “الحياد الإيجابي”، وهو حياد لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الحقائق، بل الحفاظ على القدرة على التواصل مع الجميع دون التحول إلى طرف في الصراع.
هذا الحياد يستند إلى مبدأ أساسي: الاستقرار الدولي لا يتحقق عبر فرض الإملاءات أو تكريس منطق الغالب والمغلوب، بل عبر خلق مساحات مشتركة تسمح بإعادة بناء الثقة المفقودة. ومن هنا، تتعامل الإمارات مع الوساطة باعتبارها عملية تراكمية، تبدأ بخطوات إنسانية محدودة، وتمضي تدريجيًا نحو قضايا أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، لا تسعى أبوظبي إلى تحقيق اختراقات إعلامية سريعة أو انتصارات سياسية ظرفية، بل تركز على بناء مسارات طويلة الأمد، حتى وإن بدت نتائجها بطيئة. فالدبلوماسية، وفق هذه الرؤية، ليست أداة لإدارة الأزمات فقط، بل إطارًا دائمًا لمنع انفجارها.
ولم يتشكل الدور الإماراتي في الوساطة فجأة، بل هو نتاج سنوات من الانخراط المتوازن في ملفات إقليمية ودولية، شمل جهودًا إنسانية وتسهيل عمليات تبادل أسرى وفتح قنوات تواصل غير مباشرة بين أطراف متخاصمة.
هذا السجل منح الإمارات ما يمكن وصفه بـ”رأس مال الثقة”، وهو عنصر حاسم في النزاعات الحديثة، حيث تتراجع مصداقية العديد من الوسطاء بسبب الاصطفافات السياسية أو الحسابات الضيقة.
وفي حالة الحرب في أوكرانيا، يكتسب هذا العامل أهمية مضاعفة. فالنزاع لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى أزمات الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. وبالتالي، فإن أي جهد يخفف حدة التوتر يسهم مباشرة في استقرار النظام الاقتصادي الدولي.
الشراكة في الأمن العالمي
تعكس المحادثات في أبوظبي تحولا نوعيا في مكانة الإمارات على الساحة الدولية. فالدبلوماسية الإماراتية تجاوزت نطاقها الإقليمي، لتصبح جزءًا من معادلة السلم والأمن العالميين. وهذا التحول لم يكن وليد طموح سياسي فحسب، بل نتيجة رؤية استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز الدور البنّاء في القضايا الكبرى.
العلاقات المتوازنة التي تربط الإمارات بالقوى الكبرى تقوم على مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فواشنطن ترى في أبوظبي شريكًا مستقرًا يمكن الاعتماد عليه في إدارة ملفات حساسة، فيما تنظر موسكو إليها كقناة تواصل غير عدائية تحافظ على استقلالية قرارها.
هذا التوازن الدقيق يمنح الإمارات قدرة فريدة على لعب دور الوسيط في نزاعات تتسم بحساسية جيوسياسية عالية، دون أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
وفي مقابل سياسات تعتمد على العقوبات والضغوط كأدوات رئيسية لإدارة النزاعات، تقدم الإمارات نموذجًا مختلفًا، يقوم على الحوار التدريجي وتخفيف التصعيد وبناء مساحات مشتركة.
فالخبرة الدولية أظهرت أن أدوات الضغط، رغم أهميتها في بعض السياقات، قد تؤدي أحيانًا إلى تصلب المواقف وتعقيد فرص التسوية. أما المقاربة القائمة على الثقة المتبادلة، فتسعى إلى تقليص فجوات الشك وإعادة تشكيل بيئة تسمح بتقديم تنازلات متبادلة دون فقدان ماء الوجه.
استثمار في الأمن والدبلوماسية
لا تنظر الإمارات إلى الوساطة باعتبارها نشاطًا دبلوماسيًا عابرًا، بل كاستثمار طويل الأمد في الأمن الجماعي. فالحرب في أوكرانيا، على سبيل المثال، أثبتت كيف يمكن لصراع إقليمي أن يهز أسواق الطاقة والغذاء ويؤثر على استقرار دول بعيدة جغرافيًا عن ساحة المعركة.
ومن هذا المنطلق، يصبح تسهيل الحوار بين موسكو وكييف مساهمة مباشرة في حماية الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتقليل تداعيات الصراع على الدول النامية والأسواق الناشئة.
ومع استمرار الأزمات الدولية وتراجع فعالية الأطر التقليدية، تبدو الحاجة ملحّة إلى نماذج دبلوماسية مرنة وقادرة على التحرك خارج منطق الاستقطاب. وتقدم الإمارات، من خلال استضافة محادثات السلام الروسية – الأوكرانية، مثالًا على كيفية تحويل الحياد إلى أداة قوة، والثقة إلى رافعة سياسية.
في عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام، قد تكون هذه المقاربة القائمة على بناء الثقة التدريجي وإدارة التوازنات الدقيقة إحدى أكثر الأدوات واقعية للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين القوى المتصارعة.
وبينما لا يمكن لأي وسيط أن يضمن نتائج نهائية في نزاع معقد بهذا الحجم، فإن الحفاظ على طاولة الحوار قائمة بحد ذاته يمثل إنجازًا في زمن تتراجع فيه لغة الدبلوماسية لصالح منطق القوة. وهنا، تبرز الإمارات ليس فقط كمضيف للمحادثات، بل كفاعل يسهم في إعادة الاعتبار لفكرة أن السلام، مهما بدا بعيدًا، يبدأ بخطوة ثقة.
>
