مقتل علي لاريجاني في غارة جوية.. غياب "رجل الظل" يهز مراكز القرار في إيران

السياسية - منذ 7 ساعات و 55 دقيقة
طهران، نيوزيمن:

أعلنت إيران رسمياً مقتل السياسي البارز علي لاريجاني، أحد أهم صناع القرار خلف الكواليس في الجمهورية الإسلامية، إثر غارة جوية استهدفت موقعاً في العاصمة طهران، في تطور يعكس حجم التصعيد العسكري غير المسبوق في المنطقة.

وقالت وكالة فارس، الثلاثاء، إن لاريجاني (67 عاماً) قُتل خلال غارة وُصفت بأنها أمريكية–إسرائيلية، أثناء زيارته لابنته في إحدى ضواحي طهران، فيما كان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن في وقت سابق مقتل المسؤول الإيراني في هجوم إسرائيلي، دون تقديم تفاصيل إضافية.

ويُنظر إلى لاريجاني باعتباره أحد أبرز مهندسي السياسات الاستراتيجية في إيران خلال العقود الماضية، وواحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل النظام، حيث شغل مناصب حساسة شملت رئاسة البرلمان لمدة 12 عاماً، ورئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، فضلاً عن دوره كمستشار مقرب من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.

ولعب لاريجاني دوراً مركزياً في إدارة الملفات الأمنية والسياسية المعقدة، وكان من أبرز المسؤولين الذين تولوا صياغة نهج إيران في التعامل مع الغرب، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. وخلال توليه منصب كبير المفاوضين النوويين بين عامي 2005 و2007، دافع بقوة عن حق بلاده في تخصيب اليورانيوم، معتبراً أن البرنامج النووي يمثل "حقاً سيادياً" لا يمكن التنازل عنه.

كما ساهم لاحقاً، خلال رئاسته للبرلمان، في تمرير الاتفاق النووي الإيراني 2015، بما يتوافق مع توجهات التيار المحافظ، رغم انسحاب الولايات المتحدة منه لاحقاً.

وإلى جانب الملف النووي، اضطلع لاريجاني بأدوار بارزة في إدارة علاقات طهران الإقليمية والدولية، حيث ساهم في تعزيز العلاقات مع كل من روسيا والصين، وكان من الشخصيات التي عملت على بناء قنوات تواصل مع القوى الدولية، مستفيداً من أسلوبه البراغماتي ومهاراته التفاوضية.

وينتمي لاريجاني إلى عائلة دينية نافذة برزت بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، وهو ما مهد الطريق لصعوده داخل مؤسسات الدولة. وقد بدأ مسيرته ضمن الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب مع العراق، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي والإداري.

وتدرج في مناصب عدة، من بينها وزارة الثقافة، ورئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، وهو منصب كان يُعد من أهم أدوات التأثير في الرأي العام داخل إيران، قبل أن يتولى لاحقاً مواقع أكثر حساسية في هرم السلطة.

كما تعزز نفوذ العائلة داخل النظام، حيث شغل أشقاؤه مناصب رفيعة، من بينها السلطة القضائية والبرلمان، ما جعل عائلة لاريجاني إحدى أبرز العائلات المؤثرة في المشهد السياسي الإيراني.

رغم انتمائه إلى التيار المحافظ، عُرف لاريجاني بنهج براغماتي يميل أحياناً إلى الحلول الدبلوماسية، وكان يُنظر إليه كشخصية قادرة على التوفيق بين متطلبات النظام الصارمة وضغوط المجتمع الدولي.

إلا أن هذا النهج لم يمنع ارتباط اسمه بملفات داخلية مثيرة للجدل، أبرزها دوره في قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، حيث اتُهم بدعم استخدام القوة ضد المتظاهرين، وهو ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات عليه قبل مقتله بأسابيع.

وجاء مقتل لاريجاني في سياق التصعيد العسكري الذي اندلع في 28 فبراير، مع تبادل ضربات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو تصعيد أدى إلى استهداف عدد من القيادات الإيرانية البارزة.

وكان لاريجاني من أوائل المسؤولين الذين علقوا على تلك الضربات، متهماً واشنطن وتل أبيب بالسعي إلى "تفكيك إيران"، ومحذراً من أي تحركات داخلية قد تستغل الوضع الأمني.

يرى مراقبون أن غياب لاريجاني يمثل خسارة كبيرة للنظام الإيراني، ليس فقط بسبب خبرته الطويلة، بل لكونه كان يشكل حلقة وصل بين المؤسسات السياسية والأمنية.

وفي ظل مرحلة تتسم بتصاعد نفوذ الحرس الثوري الإيراني، قد يؤدي غيابه إلى تعزيز هيمنة التيار العسكري على حساب الشخصيات السياسية التقليدية، خاصة مع احتدام المنافسة داخل النظام بعد غياب شخصيات محورية.

كما يثير مقتله تساؤلات حول مستقبل إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعلاقات مع القوى الدولية، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً غير مسبوقة على المستويين الإقليمي والدولي.

ويُجمع محللون على أن رحيل لاريجاني، الذي كان يوصف بـ"رجل الظل" في النظام الإيراني، قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى داخل طهران، في مرحلة توصف بأنها من الأكثر تعقيداً في تاريخ الجمهورية الإسلامية.