من أسطورة "مدن الزجاج" إلى صلابة القوة.. هكذا صنعت الإمارات نموذج الدولة والجيش

السياسية - منذ ساعة و 58 دقيقة
نيوزيمن، كتب/نبيل الصوفي:

جميعنا كان متأثرًا بفكرة "مدن الزجاج" الخليجية التي ستنهار مع أول صاروخ.

قبل سيطرة الإسلاموية السنية والشيعية، التي حولت الإسلام إلى أيديولوجيا تنظيمية أفسدت به الدين والدنيا معًا، كان اليسار يردد "مدن النفط" باعتبارها "هشة" يمكن حرقها بعود ثقاب.

ثم جيّشت الإسلاموية كل جهدها ضد تجارب الخليج اللامعة، وفي القلب منها "الإمارات العربية المتحدة"، وهو تجييش ضد التفوق والنجاح والتحضر والحياة.

كانت الإمارات تقدم نموذجًا مبهرًا يمنح الإسلام والعروبة مكانًا راقيًا في قلب الحداثة، في الوقت الذي خضعت فيه أغلب الدول العربية لمفردات هذه الأيديولوجيا المبتزة.

فالسعودية دفعت ثمن زلزال جهيمان، والكويت التي كانت أيقونة التحديث والانفتاح تكومت بعد جريمة الاجتياح العراقي لها. ومصر دخلت صدمة اغتيال السادات، والجزائر لا تزال إلى اليوم عالقة في منطقة رمادية بعد زلزال الحكم الإسلاموي ودموية جماعاته، واليمن أصبحت ميدانًا مفتوحًا للإخوان و"المش إخوان بس يحترموهم". وشوهت أخطاء النظام في بغداد إسهام صدام في تحديث العراق، ومهدت معاركه الفرصة للمليشيات الإسلاموية كي تريق وجه الرافدين.

ونتحدث هنا عن الأنظمة وعن السياسات، أما الشعوب ففيها الكثير مما يمكن قوله من مقومات التفوق الحضاري لهذه الأمة.

ووسط هذا كله لمعت "مدن الإمارات" في سماء العالم العربي، فخطفت أبصارهم. ثم توجت ذلك اللمعان برفض "حلقات التنظيم الإسلامي" السني والشيعي معًا، وقالت: ديننا تحميه مساجدنا وعائلاتنا وقبائلنا، أما من يدعيك للقاء سري فلا علاقة له بالدين. والفتوى "مورد وطني" وليست أيديولوجيا عابرة للحدود.

فعزز كل ذلك موقف الأيديولوجيات ضدها، وعمقوا حملاتهم لتشويهها، وهي ممتدة إلى اليوم.

وككل التحديات التي تجاوزها الإماراتيون في بناء بلادهم وزراعة الصحراء ونقش شوارعها، كان مشروع آخر ينمو في قلب الدولة اسمه "القوات المسلحة".

ومثلما يعود الفضل في لمعان دبي لمحمد بن راشد، فقد لمع جيش أولاد زايد كمشروع جسور لمحمد بن زايد.

تختفي قيادات وأبناء القيادات من مختلف المناصب، ثم يظهرون كأنهم كانوا في رحلة سفاري. فكل مواطن من مختلف الإمارات لديه جدول ثابت ليؤدي "خدمة الدفاع الوطني". وحين يأتي دوره يتجه لأقرب مركز، أيا كان منصبه ومركزه.

وفي الوقت الذي تلتزم البلاد بأعلى ما يمكنها الالتزام به من معايير في التخطيط العمراني المدني، هناك جهد موازٍ لكل ذلك عسكريًا: تنظيمًا، وتدريبًا، وتسليحًا. ومن عاش ظروف الحرب رفقة جيش الإمارات سيدرك معنى هذا الكلام.

لا يعيش الجيش الإماراتي على نفقات الحروب، فالحرب عندهم مهمة طوارئ يجب إنجازها في جدول زمني أو الخروج منها. والقتال هدفه عندهم تأمين حياة المقاتل، وليس التضحية به في عمليات انتحارية. هو يقرر التضحية كجندي، لكن واجب القيادة توفير ظروف حمايته بتوفير كل أسباب "الانتصار": خطة، وإمكانيات، ومتابعة.

وفي اللحظة التي ظن ملالي "إيران" أن "الخليج" يسهل إرهابه، كان "جيش الإمارات" يتقدم إخوانه في الجزيرة والخليج ليطمئن ليس الإماراتي أو الخليجي وحده، بل كل من له مصلحة في أمن وأمان البلاد.

مرت هذه الحرب ولم يرَ المواطن حتى قطعة زجاج مكسورة في أي مكان، وحيث أصابت الآثار لم يستغرق سوى ساعات حتى يستعيد المكان لمعانه.

ليس هذا تقليلًا من جهد ونجاح كل الجيوش العربية في الجزيرة والخليج، فلكل دولة تجربتها في هزيمة صلف "الخميني"، وكل تصدٍ أو أثر هو إنجاز مذهل لما قدمته "مدن النفط والزجاج" من تجربة تستحق الإشادة في الصمود والانتصار.

لكن تجربة جيش الإمارات نموذج لما يجب أن يكون عليه التنظيم العسكري في بلداننا العربية. فالجيش ليس مؤسسة سياسية، ولا شأن له في شؤون الحكم، ولا يخضع للترضيات، خاصة في بلدان كبلداننا الخليجية.

مع أنها كانت حربًا كونية لم يسعَ لها أي جيش عربي، لكنها فُرضت عليه داخل حدود بلاده. والمثالية في مواجهتها لا تعني أن الحرب مجرد "مزحة عابرة"، فكل الحروب لها أثمانها الباهظة. لكن بلداننا الخليجية قدمت تجربة لم تخطر حتى على بال جماعات الحقد والكراهية، وليس فقط بال المحايدين فضلًا عن المواطنين.