تحركات ممنهجة لإعادة هندسة السلك القضائي في صنعاء وإضعاف استقلاله

السياسية - منذ 3 ساعات و 39 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي تحركات مكثفة ضمن مسار ممنهج لإعادة تشكيل المؤسسة القضائية، عبر إقصاء القضاة ذوي الخبرة واستبدالهم بعناصر تم إعدادها خارج الأطر الأكاديمية، وتندرج هذه الخطوات ضمن مخطط يهدف إلى إخضاع القضاء لسلطة الميليشيات بشكل مباشر بعيدًا عن شماعة "استقلالية القضاء".

وتشير مصادر قضائية في صنعاء إلى أن هذا المسار تقوده مؤسسات خاضعة للجماعة، أبرزها مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي، عبر قرارات وإجراءات متتابعة تستهدف إعادة توزيع المواقع القضائية، وإعادة تعريف شروط التعيين والترقية، بما يضعف المعايير المهنية لصالح اعتبارات غير قانونية.

وبحسب المصادر إن عملية الإقصاء تطال قضاة يتمتعون بخبرة طويلة ومؤهلات عليا، حيث جرى إبعاد عدد منهم عن مواقعهم الفعلية أو إبقاؤهم دون مهام، في مقابل الدفع بعناصر جديدة تم تأهيلها عبر دورات قصيرة تتراوح بين أشهر محدودة، بعيداً عن مسار المعهد القضائي الرسمي. 

وأضافت المصادر هناك  أكثر من أربعة وخمسين قاضياً من كبار القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة تم إزاحتهم من المناصب وإجبارهم على الجلوس في بيوتهم، وجلُّهم من حملة الدراسات العليا، ومنهم القاضي العلامة منصور شايع الفقيه".

وأشارت المصادر إلى أن الدورات الحوثية التي يتخرج منها الموالين تعتمد على محتوى غير أكاديمي بالمعنى القانوني، ما يثير مخاوف واسعة بشأن جودة الأحكام القضائية ومستوى الكفاءة المهنية داخل المحاكم، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على خريجين جدد لا يمتلكون خبرة قضائية سابقة.

وأكد المحامي سنان منصر بيرق أن الجهاز القضائي في صنعاء سعى خلال الفترة الماضية إلى إقصاء الكفاءات القضائية واستبدالها بخريجي برامج تدريبية قصيرة، أو عناصر غير مؤهلة مهنياً، معتبراً أن ذلك يتم ضمن سياسة "ممنهجة لإفراغ القضاء من خبراته التراكمية".

وأشار بيرق إلى أن عشرات القضاة من أصحاب المؤهلات العليا والخبرة الطويلة جرى تهميشهم وإبعادهم عن مواقعهم، في مقابل تصعيد عناصر جديدة تم تأهيلها بشكل سريع، ما أدى إلى خلل واضح في التوازن المهني داخل المؤسسة القضائية.

وكان نادي القضاة صنعاء اتهم سلطة الحوثي بفرض ضغوط مالية خانقة على النيابات العامة، عبر اقتطاعات مباشرة من موازناتها التشغيلية، شملت خصماً كبيراً من مخصصاتها، إضافة إلى تقليص إضافي من ميزانية الأشهر اللاحقة.

وحذر النادي من أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى شلل شبه كامل في عمل النيابات، بما ينعكس على إجراءات التحقيق والمتابعة القضائية، ويؤثر على حقوق المواطنين، خصوصاً في ظل محدودية الإمكانات التشغيلية أصلاً.

واعتبر البيان أن ما يحدث يمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ استقلال القضاء المالي والإداري، المكفول دستورياً، محملاً الجهات المسيطرة كامل المسؤولية عن التداعيات القانونية والمؤسسية المترتبة على ذلك.

كما أصدرت وزارة العدل في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً تعميماً يقضي بحصر صلاحيات التعيين والنقل والندب في قطاع التوثيق بيد الوزارة فقط، ومنع أي تدخل من رؤساء المحاكم الابتدائية أو الاستئنافية في هذه الإجراءات.

ويشمل التعميم مكاتب التوثيق في مختلف المحاكم، ما يعني عملياً نقل سلطة التعيين من القضاء المحلي إلى جهة مركزية خاضعة لسلطة الجماعة، وهو ما يراه خبراء قانونيون تحولاً خطيراً في بنية القضاء الإداري.

ويحذر مختصون من أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام اختلالات في توثيق العقود والمعاملات، ويضعف الرقابة القضائية على قضايا الملكية والحقوق، ما قد يؤدي إلى نزاعات قانونية معقدة يصعب حلها في ظل غياب استقلالية الجهات القضائية.

ويرى خبراء قانونيون أن مجمل هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يستهدف تفكيك استقلال السلطة القضائية تدريجياً، عبر ثلاث أدوات رئيسية: إعادة تشكيل الكادر البشري، والتحكم في الموارد المالية، وإعادة توزيع الصلاحيات الإدارية داخل المحاكم.

ويؤكد هؤلاء أن القضاء، الذي يُفترض أن يكون سلطة مستقلة وفقاً للدساتير والقوانين النافذة، بات في مناطق سيطرة الحوثيين أقرب إلى جهاز إداري خاضع للتوجيه، ما ينعكس على حيادية الأحكام وثقة المواطنين في منظومة العدالة.

وتكشف التطورات المتسارعة في مناطق سيطرة الحوثيين عن اتجاه واضح نحو إعادة صياغة البنية القضائية بما يتجاوز الأطر القانونية، من خلال إقصاء الكفاءات، وتوسيع نفوذ التعيينات غير المهنية، وإعادة ضبط الموارد والاختصاصات.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تآكل استقلال القضاء بشكل كامل، وتحويله إلى مؤسسة خاضعة للقرار السياسي، بما ينعكس سلباً على العدالة وسيادة القانون في البلاد على المدى الطويل.