معهد واشنطن: غياب "الممر الآمن" يعرقل انشقاقات النخبة الإيرانية

السياسية - منذ ساعة و 17 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

في الوقت الذي تراهن فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على الضغوط العسكرية والاقتصادية لإضعاف الجمهورية الإسلامية في إيران، تبدو معضلة "الانشقاقات الكبرى" داخل مؤسسات النظام واحدة من أبرز العقبات أمام أي سيناريو لتغيير السلطة في طهران. 

فبعد أشهر من الحرب والتصعيد الأمني، لا تزال بنية النظام الإيراني متماسكة إلى حد بعيد، رغم الضربات التي استهدفت قياداته العسكرية والأمنية، وهو ما يعكس – وفق تقديرات غربية – فشل الرهان على انهيار داخلي سريع أو انتفاضة شعبية قادرة على إسقاط النظام من الداخل.

وأشار تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تقدما حتى الآن الحوافز العملية الكفيلة بدفع كبار المسؤولين الإيرانيين إلى الانشقاق، معتبرًا أن غياب "الممر الآمن" والضمانات السياسية والقانونية للمنشقين جعل من دعوات إسقاط النظام مجرد رسائل سياسية غير قادرة على إنتاج تحول حقيقي داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية.

التحليل الذي أعدته الباحثة هولي داغريس بعنوان "لكي ينتفض الإيرانيون يلزم توفير مسار واضح للمنشقين عن النظام"، رأى أن الحرب الحالية كشفت حدود الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية في التعامل مع إيران، إذ ركزت على استنزاف القدرات العسكرية والأمنية للنظام، لكنها لم تنجح في اختراق الحلقة الصلبة للسلطة أو خلق انقسامات مؤثرة داخل النخبة الحاكمة.

وبحسب التقرير، فإن النظام الإيراني تعامل مع الحرب بوصفها معركة وجودية، الأمر الذي دفعه إلى تعزيز حضوره الأمني في المدن الرئيسية، وتنظيم حشود موالية رفعت شعارات دينية وقومية في شوارع طهران ومدن أخرى، في محاولة لإظهار التماسك الداخلي وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

وأشار التحليل إلى أن هذه الحشود، التي رددت هتافات "حيدر.. حيدر" في إشارة رمزية للإمام علي، جاءت مترافقة مع انتشار أمني مكثف ونقاط تفتيش مسلحة، وهو ما عكس مخاوف حقيقية لدى النظام من استغلال المعارضة الإيرانية أجواء الحرب لإطلاق موجة احتجاجات جديدة قد تهدد استقراره.

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدثا منذ الأيام الأولى للحرب عن ضرورة إنهاء التهديد الإيراني، فإن خطابهما تضمن أيضاً إشارات واضحة إلى تغيير النظام ودعوات مباشرة للشعب الإيراني للانتفاض.

غير أن الباحثة هولي داغريس ترى أن هذه الدعوات بقيت ناقصة، لأنها لم تترافق مع خطة متكاملة لتشجيع الانشقاقات داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، خصوصاً في الأجهزة الأمنية والعسكرية والدينية التي تمثل العمود الفقري للجمهورية الإسلامية.

ولفت التحليل إلى أن ترامب كان قد لمح في تصريحات سابقة إلى إمكانية منح "معاملة عادلة وحصانة كاملة" للعناصر الأمنية والعسكرية التي تلقي أسلحتها وتنشق عن النظام، إلا أن واشنطن – بحسب التحليل – لم توضح آليات تنفيذ هذه الوعود، كما لم تقدم أي ضمانات علنية تتعلق باللجوء السياسي أو الحماية القانونية أو الحوافز المالية.

ويرى التحليل أن هذا الغموض جعل كثيراً من المسؤولين الإيرانيين ينظرون إلى الحرب باعتبارها صراعاً لا يحتمل الحياد، وأن خسارة النظام قد تعني بالنسبة لهم خسارة السلطة والمصير معاً، وهو ما عزز منسوب الولاء داخل المؤسسات الحساسة بدلاً من تفكيكها.

كما أشار إلى أن حالات الانشقاق المعلنة حتى الآن بقيت محدودة للغاية، واقتصرت على عدد من الدبلوماسيين والمسؤولين منخفضي التأثير، في حين تحدث مسؤولون أمريكيون عن "فرار واسع" داخل بعض الوحدات العسكرية والأمنية الإيرانية، وهي معلومات يصعب التحقق منها في ظل انقطاع الإنترنت والتعتيم الإعلامي داخل إيران.

ووفق الباحثة هولي داغريس، فإن معظم ما يوصف بـ"الانشقاقات" يبدو أقرب إلى حالات تهرب من الخدمة أو مغادرة للمواقع العسكرية من قبل عناصر منخفضة الرتب، وليس تمرداً منظماً داخل مؤسسات النظام. وتشير تقارير متفرقة إلى فرار بعض عناصر الباسيج ووحدات الصواريخ من مواقعهم، إضافة إلى اضطرابات ناجمة عن تأخر الرواتب وضعف المعنويات داخل بعض الوحدات.

لكن التحليل يؤكد أن هذا النوع من التآكل الجزئي لا يكفي لإسقاط الجمهورية الإسلامية، لأن النظام الإيراني يختلف جذرياً عن أنظمة أخرى انهارت سريعاً بمجرد تعرضها لضغط عسكري أو احتجاجات شعبية.

ويشرح التحليل أن الجمهورية الإسلامية طورت، منذ عام 1979، نموذجاً أمنياً معقداً قائماً على تداخل المؤسسات العسكرية والدينية والسياسية، مع الدور المحوري الذي يؤديه الحرس الثوري الإيراني في حماية النظام وإدارة مفاصل الدولة.

كما يشير إلى أن طهران استفادت من تجارب تاريخية، أبرزها سقوط نظام الشاه، وتعلمت كيفية احتواء الضغوط الداخلية والخارجية، بما في ذلك الاحتجاجات الجماهيرية والحروب والعقوبات الاقتصادية.

وقارن التحليل بين الحالة الإيرانية وتجارب إقليمية أخرى، مثل مصر وسوريا والعراق، موضحاً أن نجاح الانشقاقات في إضعاف الأنظمة يرتبط عادة بوجود شعور لدى النخب الحاكمة بأن النظام يتجه فعلياً نحو الانهيار، أو بوجود ترتيبات واضحة تضمن سلامتهم ومستقبلهم السياسي بعد الانشقاق.

وفي الحالة السورية، على سبيل المثال، حدثت انشقاقات عسكرية مبكرة وأسهمت في تشكيل نواة "الجيش السوري الحر"، لكنها لم تكن كافية لإسقاط نظام بشار الأسد بسبب الدعم الإيراني والروسي ووجود بنية أمنية متماسكة. أما في العراق بعد عام 2003، فقد أدى اجتثاث حزب البعث إلى دفع كثير من الضباط السابقين نحو التمرد المسلح، وهو ما جعل بعض المحللين يحذرون من تكرار السيناريو ذاته في إيران في حال انهيار النظام دون وجود خطة انتقالية واضحة.

كما تناول التحليل تحركات رضا بهلوي، الذي حاول تقديم نفسه كقائد لمرحلة انتقالية محتملة، وأطلق مبادرات إلكترونية لتسجيل الراغبين بالانشقاق من مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية. وأشارت الباحثة هولي داغريس إلى أن هذه المبادرات بقيت رمزية إلى حد كبير، بسبب غياب أي دعم مؤسسي دولي أو آلية فعلية لتحويل طلبات الانشقاق إلى مشروع سياسي منظم يمكن أن يشكل بديلاً للنظام القائم.

وخلص التحليل إلى أن الجمهورية الإسلامية، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية غير المسبوقة، لا تزال قادرة على البقاء والتكيف، في ظل غياب استراتيجية غربية واضحة لاختراق بنيتها الداخلية أو تشجيع الانشقاقات داخل النخبة الحاكمة.

وحذر التحليل من أن استمرار هذا النهج قد يقود في النهاية إلى بقاء نظام أكثر تشدداً وقمعاً بعد انتهاء الحرب، خاصة إذا تمكن من تجاوز المرحلة الحالية وإعادة إحكام قبضته الأمنية على الداخل الإيراني، ما قد يضع الإيرانيين أمام واقع أكثر صعوبة مما كان عليه قبل اندلاع المواجهة.