اليمن يودع عبدربه منصور هادي.. رحيل "رجل التسويات الصامتة"
السياسية - منذ ساعة و 24 دقيقة
الرياض، نيوزيمن، خاص:
توفي، الخميس، الرئيس اليمني السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي، في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض، إثر أزمة قلبية مفاجئة، لينتهي بذلك فصل طويل من الحياة السياسية والعسكرية لرجل ظل حاضرًا في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وتحولًا في تاريخ اليمن الحديث.
وأعلنت رئاسة الجمهورية اليمنية، في بيان رسمي، وفاة الرئيس السابق بعد “حياة حافلة بالنضال والعطاء الوطني المخلص في خدمة وطنه وشعبه”، مشيدة بمسيرته السياسية والعسكرية الطويلة، ودوره في الدفاع عن الجمهورية والشرعية الدستورية ووحدة اليمن في أصعب الظروف والمنعطفات.
وبرحيل عبدربه منصور هادي، يطوي اليمن صفحة شخصية سياسية مثيرة للجدل ارتبط اسمها بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد، بدأت عقب احتجاجات العام 2011، وانتهت بحرب مفتوحة وانقسام سياسي وعسكري ما تزال البلاد تعيش تداعياته حتى اليوم.
وعلى خلاف كثير من الشخصيات اليمنية التي ارتبطت بالحضور الجماهيري والخطاب الصاخب، عُرف هادي بطباع هادئة وشخصية تميل إلى العمل خلف الكواليس أكثر من المواجهة المباشرة، ما جعل خصومه وأنصاره على السواء يصفونه بـ”رجل التسويات الصامتة”، وهي السمة التي رافقته طوال مسيرته السياسية.
وُلد الرئيس الراحل مطلع سبتمبر عام 1945 في مديرية الوضيع بمحافظة أبين، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة جنوبي البلاد، قبل أن يلتحق مبكرًا بالمؤسسة العسكرية في ظل التحولات السياسية التي شهدها جنوب اليمن خلال فترة الاستعمار البريطاني وما أعقبها من متغيرات بعد الاستقلال.
وفي العام 1964، تخرج هادي في مدرسة جيش محمية عدن العسكرية، التي كانت تُعِد ضباط الجيش الاتحادي للجنوب العربي، قبل أن يتدرج في المناصب العسكرية داخل الجيش الجنوبي، وصولًا إلى تعيينه نائبًا لرئيس الأركان لشؤون الإمداد والإدارة عام 1983.
كما ترأس خلال تلك الفترة لجنة التفاوض الخاصة بصفقات التسليح مع الاتحاد السوفييتي، الحليف الاستراتيجي لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إبان الحرب الباردة، ما أكسبه خبرة سياسية وعسكرية مبكرة في إدارة الملفات الحساسة.
غير أن التحولات الكبرى في مسيرته بدأت عقب أحداث يناير 1986 الدامية في جنوب اليمن، وهي المواجهات الداخلية التي عصفت بشركاء السلطة في الحزب الاشتراكي، وأجبرت هادي على النزوح إلى صنعاء، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته السياسية تحت مظلة الجمهورية العربية اليمنية آنذاك.
وبعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، اقترب هادي أكثر من مركز القرار في صنعاء، لا سيما بعد الدور العسكري الذي لعبه إلى جانب الرئيس الراحل علي عبدالله صالح خلال حرب صيف 1994 ضد محاولة الانفصال في الجنوب، وهو الموقف الذي غيّر مستقبله السياسي بشكل جذري، ومهّد لتعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية.
وخلال سنوات طويلة قضاها نائبًا للرئيس، ظل هادي شخصية هادئة وقليلة الظهور الإعلامي، ولم يكن يُنظر إليه باعتباره لاعبًا سياسيًا رئيسيًا، غير أن الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011 ضد نظام صالح دفعت به فجأة إلى صدارة المشهد السياسي.
وفي فبراير 2012، تولّى عبدربه منصور هادي رئاسة اليمن ضمن تسوية سياسية مدعومة إقليميًا ودوليًا هدفت إلى تجنيب البلاد الانهيار والفوضى، في مرحلة كانت الدولة خلالها تعاني انقسامات عسكرية حادة، واقتصادًا منهكًا، وصعودًا متسارعًا لجماعة الحوثي والتنظيمات المتطرفة، إضافة إلى تصاعد المطالب الانفصالية في الجنوب.
وحاول هادي تقديم نفسه كرئيس توافقي يقود مرحلة انتقالية معقدة، وأطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي عُد حينها أكبر محاولة سياسية لإعادة صياغة شكل الدولة اليمنية الحديثة على أسس اتحادية تقوم على الشراكة والمواطنة المتساوية.
إلا أن التحديات المتسارعة والانقسامات الداخلية الواسعة تجاوزت قدرة السلطة الانتقالية على الاحتواء، خصوصًا مع تحالف جماعة الحوثي مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، واجتياحهم صنعاء في سبتمبر 2014، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الانهيار السياسي والعسكري.
وجد هادي نفسه حينها محاصرًا داخل منزله في صنعاء، قبل أن ينجح لاحقًا في الوصول إلى عدن، ومنها إلى المملكة العربية السعودية بعد تمدد الحوثيين نحو المحافظات الجنوبية.
ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم هادي بواحدة من أكثر الفترات دموية وتعقيدًا في تاريخ اليمن الحديث، حيث دخلت البلاد في حرب مفتوحة وانقسام داخلي واسع، وسط تدخلات إقليمية وأزمة إنسانية وُصفت بأنها الأسوأ عالميًا وفق تقديرات الأمم المتحدة.
ورغم حفاظه على الاعتراف الإقليمي والدولي بشرعيته، إلا أن سنوات حكمه الأخيرة شهدت تراجعًا متزايدًا في حضوره السياسي، وسط انتقادات لأداء مؤسسات الدولة والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وفي أبريل 2022، أعلن هادي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة أنهت فعليًا حقبته السياسية التي امتدت أكثر من عشر سنوات على رأس السلطة، واعتبرها حينها كثيرون محاولة لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثيين وتوحيد القوى السياسية والعسكرية تحت مظلة واحدة.
وفي بيان النعي، أكدت رئاسة الجمهورية أن الرئيس الراحل سيظل حاضرًا في ذاكرة اليمنيين بما حمله من “دروس في الصبر والحكمة وتغليب المصلحة الوطنية”، مشيدة بمواقفه في الدفاع عن الجمهورية والشرعية ووحدة البلاد.
كما أعلنت الرئاسة الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، وفتح سجلات العزاء في الداخل والخارج، فيما عبّرت عن بالغ التقدير للمواقف التي وصفتها بالأخوية من المملكة العربية السعودية تجاه الرئيس الراحل طوال سنوات إقامته فيها.
>
