نزوح وفقر وجوع.. ثلاثية قاسية تعمّق معاناة اليمنيين

إقتصاد - منذ ساعة و 11 دقيقة
عدن، نيوزيمن:

في مخيمات النزوح وأحياء الفقر الممتدة من الحديدة إلى مأرب، تكافح ملايين الأسر اليمنية يومياً لتأمين وجبة غذائية واحدة وسط تآكل مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع المساعدات الإنسانية. 

وبينما تتزايد معاناة الأطفال والنساء والنازحين، تشير التقديرات الدولية إلى أن أزمة الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للاستمرار والتفاقم خلال الأشهر المقبلة، في مشهد يعكس حجم التداعيات الإنسانية الممتدة للحرب والأزمات الاقتصادية التي أنهكت البلاد لأكثر من عقد.

وتوقعت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في اليمن حتى نهاية سبتمبر المقبل، محذرة من بقاء ملايين السكان في دائرة الأزمات الإنسانية الحادة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً من الصراع والانهيار الاقتصادي.

ووفقاً لأحدث تقرير صادر عن الشبكة الدولية، فإن حالة الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، ستستمر في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، وفي مقدمتها الحديدة وحجة وأجزاء من تعز، وهي مرحلة تسبق مباشرة الوصول إلى مستويات المجاعة.

وأشار التقرير إلى أن الأزمة الغذائية ستظل واسعة النطاق في بقية المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث ستبقى غالبية الأسر ضمن المرحلة الثالثة "الأزمة"، في ظل تراجع القدرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية واعتماد كثير من العائلات على وسائل تكيف قاسية للبقاء.

وفي مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لم تبدُ الصورة أكثر تفاؤلاً، إذ رجحت الشبكة استمرار مستويات الأزمة الغذائية حتى نهاية الربع الثالث من العام، مع وجود جيوب متفرقة ستواجه ظروف طوارئ غذائية حادة، خاصة بين الأسر الأشد فقراً والأكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية.

اقتصاد منهك وأسر عاجزة 

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها تدهور بيئة الأعمال وتراجع النشاط الاقتصادي وفرض قيود على الاستثمار والتجارة، إلى جانب ضعف فرص العمل ومصادر كسب العيش في مناطق الحوثيين، واستمرار الاختلالات الاقتصادية والمالية في مناطق الحكومة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة الغذائية في اليمن لم تعد مرتبطة فقط بنقص الغذاء، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بانهيار القدرة الشرائية للأسر. فحتى عندما تكون المواد الغذائية متوفرة في الأسواق، فإن شريحة واسعة من السكان لم تعد قادرة على تحمل تكاليف شرائها بسبب انخفاض الدخول وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية في مناطق الحكومة.

وحذرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة من أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى اتساع فجوات الاستهلاك الغذائي بين الأسر اليمنية، ما سيدفع المزيد من العائلات إلى اللجوء لاستراتيجيات تكيف غير مستدامة، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية من أجل شراء الغذاء.

وفي مؤشر إضافي على اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية، كشف مكتب التخطيط والتعاون الدولي بمحافظة مأرب أن نحو 296 ألفاً و835 أسرة ستحتاج إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال عام 2026، في ظل استمرار تداعيات النزوح وتراجع مستويات التمويل المخصص للبرامج الإنسانية.

وتستضيف مأرب أكبر تجمع للنازحين في اليمن، ما يجعلها واحدة من أكثر المحافظات تأثراً بالأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وبحسب التقرير السنوي للمكتب، فإن أكثر من 234 ألف أسرة تعاني حالياً من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بزيادة بلغت 13 بالمئة مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يعكس اتساع دائرة الفقر والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية.

ولا تقتصر الأزمة على الغذاء فقط، إذ أشار التقرير إلى أن 63 بالمئة من سكان المحافظة ما زالوا يفتقرون إلى مصادر آمنة ومستدامة لمياه الشرب، في وقت تتزايد فيه الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة نتيجة النمو السكاني المتسارع الناتج عن النزوح.

الأطفال والنساء يدفعون الثمن الأكبر

وتظهر البيانات الواردة في التقرير أن الفئات الأكثر هشاشة ما تزال تتحمل العبء الأكبر للأزمة الإنسانية.

ففي القطاع الصحي، تعمل غالبية المرافق الصحية بشكل جزئي أو تحتاج إلى إعادة تأهيل وتجهيزات أساسية، بينما تحتاج نحو 100 ألف امرأة من الحوامل والمرضعات إلى خدمات صحية وتغذوية عاجلة.

كما انعكست الأزمة الاقتصادية بصورة مباشرة على التعليم، حيث خرج أكثر من 6200 طفل من المدارس بسبب الظروف المعيشية الصعبة، في وقت يفتقر فيه نحو نصف الأطفال النازحين تقريباً إلى وثائق إثبات الهوية وشهادات الميلاد، الأمر الذي يحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية.

وفي ملف النزوح، أظهر التقرير أن 71 بالمئة من الأسر النازحة تعيش في مخيمات ومساكن مؤقتة معرضة لمخاطر الحرائق والفيضانات والتقلبات المناخية، بينما يواجه أكثر من ثلثي النازحين المقيمين في منازل مستأجرة خطر الإخلاء نتيجة ارتفاع الإيجارات وتدهور أوضاعهم الاقتصادية.

ويرى مختصون بالشأن الإنساني أن استمرار النزوح وتراجع التمويل الدولي يهددان بتفاقم الأوضاع خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين للمساعدات مقابل انخفاض الموارد المتاحة للمنظمات الإنسانية.

وتعكس المؤشرات الصادرة عن شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة والسلطات المحلية في مأرب صورة مقلقة للأوضاع الإنسانية في اليمن، حيث تتداخل أزمة الغذاء مع تحديات النزوح والفقر وضعف الخدمات الصحية والتعليمية والمياه.

ومع استمرار الصراع وتباطؤ التعافي الاقتصادي وتراجع التمويل الإنساني الدولي، تبدو فرص تحسن الأمن الغذائي محدودة على المدى القريب، فيما يواجه ملايين اليمنيين خطر الانزلاق إلى مستويات أشد من الحرمان الغذائي خلال الأشهر المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لدعم الاقتصاد وتعزيز الاستجابة الإنسانية وتوسيع برامج المساعدات للفئات الأكثر تضرراً.