تحليل: واشنطن أمام فرصة للقضاء على الحوثيين عقب تراجع الدعم الإيراني

السياسية - منذ ساعة و 41 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

كشفت مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية أن جماعة الحوثي في اليمن تواجه تحديات استراتيجية غير مسبوقة جراء تراجع أو انقطاع الدعم الإيراني الذي شكل خلال السنوات الماضية أحد أهم ركائز بقائها العسكرية والاقتصادية، مشيرة إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة وما خلفته الحرب مع إيران من ضغوط سياسية واقتصادية على طهران قد تدفع الأخيرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص دعمها لحلفائها في المنطقة.

وفي تحليل مطول أعده الباحث هنري روجرز، أكد أن الحوثيين ظلوا لعقود أحد أبرز الفاعلين المسلحين في اليمن وأكثرهم قدرة على الصمود رغم سنوات الحرب والعقوبات والضربات العسكرية، إلا أن الجماعة باتت أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على شبكة الدعم الإيرانية، الأمر الذي يجعلها عرضة لهزات كبيرة إذا ما تعرض هذا الدعم للتراجع أو الانقطاع.

وأوضح التحليل أن الحوثيين لعبوا خلال السنوات الأخيرة دوراً محورياً ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران، حيث استخدمت الجماعة قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة لتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستهداف إسرائيل، وهو ما جعلها إحدى أهم أوراق الضغط الإقليمية بيد طهران.

ورغم أن الجماعة أظهرت قدرة لافتة على التكيف مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، يرى روجرز أن جزءاً كبيراً من هذه القدرة يعود إلى المساعدات الإيرانية المستمرة، سواء من خلال توفير الأسلحة المتطورة أو التدريب أو الدعم المالي واللوجستي الذي يشرف عليه الحرس الثوري الإيراني.

عوامل الصمود الحوثية

وأشار الباحث إلى أن صمود الحوثيين لا يرتبط بالدعم الإيراني وحده، بل يستند أيضاً إلى مجموعة من العوامل الداخلية التي عززت بقاء الجماعة في مواجهة خصومها المحليين والإقليميين.

وأوضح أن الطبيعة الجغرافية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في شمال اليمن توفر للجماعة حماية استثنائية، حيث تشكل السلاسل الجبلية الوعرة والوديان العميقة حصوناً طبيعية تعيق تقدم القوات البرية وتحد من فاعلية الضربات الجوية.

وأضاف أن الجماعة استطاعت خلال سنوات الحرب تطوير منظومة اقتصادية موازية تعتمد على فرض الجبايات والضرائب على السكان والأنشطة التجارية، إلى جانب الاستفادة من موقع اليمن الاستراتيجي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ووفقاً للتحليل، فقد استفاد الحوثيون بشكل كبير من قربهم من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ليس فقط لتهديد حركة التجارة العالمية، بل أيضاً لبناء مصادر دخل متنوعة من خلال الأنشطة المرتبطة بالملاحة والتهريب.

كما لفت إلى أن الجماعة أنشأت خلال السنوات الماضية شبكة مالية سرية معقدة سمحت لها بالالتفاف على العقوبات الدولية، معتمدة بصورة متزايدة على العملات المشفرة لإدارة التحويلات المالية وشراء المعدات والمواد العسكرية بعيداً عن الرقابة التقليدية.

ويرى روجرز أن العلاقة مع إيران تمثل في الوقت ذاته مصدر قوة ومصدر هشاشة للحوثيين. فمن جهة، توفر طهران للجماعة الأسلحة المتطورة التي مكّنتها من توسيع نطاق عملياتها العسكرية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأنظمة المستخدمة في استهداف السفن والمنشآت الحيوية.

ومن جهة أخرى، فإن اعتماد الحوثيين على هذه الإمدادات يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بأي تغيرات في السياسة الإيرانية أو في قدرة طهران المالية والعسكرية.

ويشير التحليل إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات الممتدة والاضطرابات الإقليمية وتكاليف المواجهات العسكرية الأخيرة، وهو ما قد يدفع القيادة الإيرانية إلى تقليص الإنفاق على حلفائها الخارجيين والتركيز على معالجة التحديات الداخلية.

وأضاف أن أي خفض في ميزانية الحرس الثوري الإيراني سيؤثر مباشرة على شبكات تهريب السلاح والإمدادات التي تعتمد عليها الجماعة الحوثية للحفاظ على قدراتها العسكرية.

العملات المشفرة تحت المجهر

وسلط التحليل الضوء على جانب آخر اعتبره من أبرز نقاط الضعف المحتملة لدى الحوثيين، ويتمثل في اعتمادهم المتزايد على العملات المشفرة، وخاصة عملة "تيثر" المستقرة، في تنفيذ المعاملات المالية وتجاوز القيود المصرفية والعقوبات.

وأوضح أن هذه الآلية، التي ساعدت الجماعة خلال السنوات الماضية على الحفاظ على تدفق الأموال، قد تتحول إلى نقطة ضغط فعالة إذا ما كثفت الولايات المتحدة جهودها بالتعاون مع الجهات المصدرة للعملات الرقمية لتجميد الأصول المرتبطة بالحوثيين وتعقب مسارات التمويل.

وبحسب الباحث، فإن التضييق على هذه القنوات المالية قد يرفع تكلفة حصول الجماعة على السلاح والمواد اللوجستية ويقلل من قدرتها على تعويض أي تراجع محتمل في الدعم الإيراني.

ورجح التحليل أن تدفع الضغوط المالية الحوثيين إلى البحث عن بدائل اقتصادية جديدة، وفي مقدمتها محاولة توسيع النفوذ على المناطق الغنية بالنفط والغاز في اليمن. وأوضح أن الموارد النفطية تمثل أحد أهم مصادر الدخل الممكنة للجماعة في حال تراجع مصادر التمويل الأخرى، إلا أن السيطرة عليها لن تكون مهمة سهلة، نظراً لوجود قوى محلية وقبلية وعسكرية تفرض نفوذها على تلك المناطق.

وأشار إلى أن طبيعة المناطق النفطية المفتوحة تختلف جذرياً عن البيئة الجبلية التي تمنح الحوثيين أفضلية دفاعية، ما قد يجعل أي محاولة للتوسع نحو حقول النفط مكلفة عسكرياً وأكثر عرضة للضربات الجوية.

فرصة أمريكية جديدة

ويرى الباحث أن هذه التطورات تفتح أمام الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين فرصة لإضعاف الجماعة بصورة أكثر فعالية مما كان عليه الحال خلال السنوات الماضية. ودعا الإدارة الأمريكية إلى تبني استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغوط الاقتصادية والدعم العسكري والاستخباراتي للشركاء الإقليميين، بدلاً من الاعتماد على الضربات الجوية وحدها.

كما أوصى بتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية مع السعودية، وتقديم الدعم للقوى اليمنية المناهضة للحوثيين، مع التركيز على استهداف شبكات التمويل غير المشروعة وتعطيل قدرتها على استخدام العملات الرقمية.

وأكد أن نجاح هذه المقاربة يتطلب في الوقت نفسه الحرص على تجنب الأضرار الواسعة التي قد تلحق بالمدنيين أو البنية التحتية اليمنية، محذراً من أن أي انتهاكات واسعة قد تقوض الدعم الدولي وتمنح الحوثيين فرصة لاستعادة الزخم السياسي والإعلامي.

واختتم روجرز تحليله بالتأكيد على أن الحوثيين سيظلون جماعة تمتلك قدرة كبيرة على التكيف والابتكار حتى في حال تعرضهم لضغوط غير مسبوقة، إلا أن المرحلة المقبلة قد تمثل فرصة نادرة لتقليص نفوذهم وإضعاف قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر.

وأشار إلى أن نجاح الولايات المتحدة وشركائها في استثمار هذه اللحظة يعتمد على سرعة التحرك واستيعاب المتغيرات الجديدة في المشهد الإقليمي، محذراً من أن الجماعة ستسعى بدورها إلى التكيف مع أي واقع جديد والبحث عن مصادر بديلة للقوة والتمويل إذا لم يتم استغلال هذه الفرصة في الوقت المناسب.