يحيى وحيش.. المقاتل الذي كان "أصدق أنباء من الكتب"

السياسية - منذ ساعة و 34 دقيقة
نيوزيمن، كتب/ نبيل الصوفي:

الخوخة أولاً، والمقاومة الوطنية ثانياً، ثم تهامة واليمن، كلها خسرت "يحيى وحيش".

ضربة غادرة موجعة، سيحتفي بها الحوثي كثيراً ومعه كل الفوضويين الذين يهدمون حصون المجتمعات والجبهات بوعي ومن دون وعي وهم يحرضون بعضها ضد بعض ليمنحوا القاتل فرصة للتحرك والاستقطاب والاختراق.

لا قيمة لكل الكلام، فقد كان يحيى (أصدق أنباء من الكتب) ومن كل قول.

في أول زيارة لي إلى الخوخة وهي لا تزال خط تماس مع الحوثي مطلع العام 2018 وكان شهر رمضان، سجلت حواراً قصيراً مع مقاتل داخل عربته مكتوب عليها "كتائب الوحش".. بحثت عن التسجيل في أرشيفي ولم أجده للأسف، ولكني سأصل إليه وأنشره.

كان اللواء الأول تهامة الذي تعد كتائب الوحيش جزءًا منه قد تمكن مع اللواء الثاني تهامة أيضاً من تحرير الخوخة، وهذه الألوية يومها كانت ضمن قيادة عمليات الحرب التي يشرف عليها جيش الإمارات العربية المتحدة في الساحل الغربي وتديرها ما كانت تعرف بـ"الإدارة العامة لقوات العمالقة".

ومع انضمام حراس الجمهورية زاد زخم المعارك وتحركت الحرب شمالاً وزاد عدد المقاتلين واتسعت إدارتهم، حيث تحولت الكتيبة في اللواء الأول تهامة إلى مسمى اللواء التاسع عمالقة وعُين قائداً له "الشيخ يحيى وحيش".

شاب مقاتل.. لا يكترث للسياسة ولا تشوشه معارك الفوضى والفراغ، هدفه المعركة في الميدان لنصرة المظلوم ضد بغي الحوثي وأيديولوجيته.

شكلت الألوية التهامية رافعة اجتماعية لأبناء الأرض الذين انتقلوا من طور اللامبالاة إلى قلب القيادة والفاعلية.

تحولت الخوخة مركزاً مهماً في سياق معركة أكبر، فالمقاتلون يملؤون أفقها كرفاق في جبهة النصر والشهادة من كل المناطق والمذاهب والاتجاهات، من يؤمن بالشهادة لصناعة النصر وملتزم للقيادة وعملياتها.

والسياسيون منقسمون حول فتات الحضور، هذا يتحدث باسم دولة للخوخة، يحكمها أبناؤها.. وذاك يقول بل هي تهامة للتهاميين كلهم، وآخر يقول نحن الجنوبيون، ورابع يقول كلنا يمنيون.

سياسيون يستعجلون معاركهم، فيما يقف "يحيى" في مترسه لا يرى سوى "الحوثي" عدواً ومعركة. ومن الوفاء للحرب في عرف "يحيى" أن تحفظ أرض النصر ويثبت أمنها واستقرارها، وقد أسهم لواؤه في منح "الخوخة" هذا الشعور بالأمان. هي مدينة صغيرة تجمع فيها مقاتلون من كل مكان، ونازحون أيضاً، عدوهم المشترك موجوع من هكذا مدينة انتزعت نصرها من "كبده" في ضوء النهار..

كان قيادياً وسطاً بين الجميع، هو ابن اللواء الأول تهامة وهو القائد في العمالقة وهو شريك لحراس الجمهورية في المترس والمعركة.

ابن الخوخة الذي تعرفه أزقتها، وعينه على "دماج" هناك في أقصى الشمال حيث بدأ جهده مبكراً. والحديدة عنده كما صنعاء معارك في الطريق إلى الهدف.

وصل الجميع إلى قلب مدينة الحديدة، وغدرنا ستوكهولم ومشاريع "السلام" الزائف الذي لا يزال يتهددنا كما كان منذ لحظته الأولى.. فكل سلام مع الحوثي لم يكن سوى فخ لهزيمة تالية.

غادر الجيش الإماراتي تحت وقع إيقاف الحرب بقرار دولي، وأعيد ترتيب مسرح العمليات وكان "يحيى" يقود لواءه في محيط "التحيتا" وينشط كشيخ ومصلح وبدأت علاقته بالسياسة من إعلان المكتب السياسي للمقاومة الوطنية كأحد أوائل المؤسسين فيه منذ إعلانه الأول. ولكنه ظل أقرب لمترسه منه إلى مقيل السياسة وشئونها. وفي العسكرية كما السياسة كان دوماً رفيقاً أميناً وملتزماً لقيادته منذ تسلمها الفريق الركن طارق صالح والذي أصر قبل أشهر على تعيينه قائداً للفرقة الأولى مشاة ضمن إعادة ترتيب ألوية القتال الميداني من حراس الجمهورية والألوية التهامية والعمالقة.

وقد كان الفريق والعميد رفيقين يكنان لبعضهما كل الاحترام وفي كل فعالية يتم الترتيب لها كان يسأل الفريق فريقه: "هل دعوتم يحيى وحيش"، وإن نسيه المنظمون كان يتواصل به مباشرة ويفاجئ الجميع باستقباله.

مبكراً تعرفت على "الشيخ العميد"، حكى لي كيف خرج من "البحر كصياد" وانتقل مع بعض أصحابه إلى "عدن" ثم إلى "كتاف" ليقاتل الحوثي مدفوعاً بوعيه الديني السلفي وفتاوى الشيوخ.. تحدث عن الأمر ببساطة كأنه يرى الواجب كما لو كان جريان سيل أو إشراقة ضوء النهار، لا نقاش حوله.. لا مخاوف ولا أطماع، هو واجب وكفى، ولذا لبّى النداء.

كان يبتسم وهو يتذكر كيف التحق بالجبهات وهو الذي لم يسبق له أن تدرب حتى على حمل السلاح فضلاً عن استخدامه.

جمعتني به الأسفار براً وجواً، وفي إحدى رحلاتنا من المخا إلى أبوظبي كان النقاش حول علاقة الإعلامي بالمقاتل، وكان كل الموجودين ينتقدون الإعلام ومعارك الإعلاميين الهامشية في التواصل الاجتماعي، وبقدر غضبه فقد كان أول من تقبل مقترحاتي لمعالجة المشكلة، كان يغضب سريعاً ويستعيد هدوءه أيضاً بذات السرعة، منفتحاً على الآراء ولا يشارك في النقاش إلا للضرورة وفيما يخص الترتيبات.

وفي آخر رحلاتنا من الرياض إلى المخا، كان النقاش حول التوجهات الدينية واقترح هو على قائد المقاومة الوطنية عقد ملتقيات بين التوجهات الدينية كلها في الساحل الغربي للاتفاق على أولوية المعركة ضد الحوثي، لنتفق عليها ونعمل لها ونوحد الخطاب حولها وما دون ذلك متروك للدولة وولاة الأمر.

في آخر فعالية جمعتني به قبل عيد الأضحى الأخير وقد كان لنا وقت طويل منذ التقينا، كان أول ما قاله تذكيري بصاحبنا "يوسف الغليسي"، هكذا يسميه، فالشيخ يحيى يتحدث عن "أولاده" في اللواء وفي الخوخة بصداقة وصحبة وتبسط.

سيفتقده كل شبر مر عليه.. وستبقى صورته نموذجاً لما يفعله الإيمان بالقضايا، ويقيناً فإنه قد هزم الموت وغادر الحياة لينال الخلود مع رفاقه "أحياء ولكن لا تشعرون"..

رحمك الله يا يحيى وحيش، وألحقنا بك في الصالحين..