مليونية "رفض الوصاية".. قراءة في دلالات الحضور الشعبي الجنوبي ورسائل المرحلة
الجنوب - منذ ساعة و 41 دقيقة
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:
على امتداد سنوات طويلة، ظلت القضية الجنوبية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، مستندة إلى قاعدة شعبية واسعة وإرادة جماهيرية متجددة عبرت عنها مختلف المحطات النضالية والسياسية التي شهدها الجنوب. ومع كل منعطف سياسي أو تطور ميداني، يؤكد الجنوبيون تمسكهم بقضيتهم الوطنية العادلة، باعتبارها قضية شعب يسعى إلى تحقيق تطلعاته السياسية والدفاع عن حقه في تقرير مصيره، بعيداً عن أي محاولات للوصاية أو فرض الإرادات الخارجية.
وشكلت مليونية "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال"، التي احتضنتها ساحة العروض في العاصمة عدن، السبت، محطة جديدة عكست حجم الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، ورسخت رسالة سياسية مفادها أن الجنوبيين ما زالوا يعتبرون أنفسهم أصحاب القرار الأول والأخير في رسم مستقبلهم وتحديد خياراتهم الوطنية.

حشود تؤكد استمرار الزخم الشعبي
منذ ساعات الصباح الأولى، توافدت جماهير غفيرة من مختلف محافظات الجنوب إلى العاصمة عدن، للمشاركة في الفعالية الجماهيرية التي تحولت إلى مشهد سياسي لافت، أكد للجميع استمرار قدرة الشارع الجنوبي على الحشد والتنظيم والتعبير عن مواقفه في قضاياه المصيرية.
ورفع المشاركون الأعلام الجنوبية واللافتات التي أكدت رفض الوصاية والتدخلات الخارجية، فيما صدحت الهتافات المطالبة باحترام إرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مصيره، في مشهد أعاد إلى الأذهان محطات مفصلية من تاريخ الحراك الجنوبي الذي انطلق عام 2007، كحركة احتجاجية سلمية قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي.
يقول مراقبون إن حجم المشاركة الجماهيرية حمل دلالات سياسية مهمة، أبرزها استمرار الالتفاف الشعبي حول القضية الجنوبية وقدرتها على استقطاب التأييد الشعبي، رغم تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد.
>> مليونية عدن وحضرموت تؤكد رفض الوصاية والدفاع عن القرار الجنوبي
رسالة واضحة برفض الوصاية
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها المليونية تمثلت في التأكيد الشعبي على رفض أي وصاية سياسية، أو محاولات للتحدث باسم الجنوبيين دون تفويض شعبي، وهي الرسالة التي تكررت في الشعارات والهتافات والكلمات التي ألقيت خلال الفعالية.
وقد مرت القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية بمحطات عديدة، حاولت فيها أطراف مختلفة إعادة صياغة المشهد السياسي الجنوبي أو تجاوز خصوصية القضية الجنوبية ضمن مسارات الصراع اليمني، إلا أن ردود الفعل الشعبية ظلت تؤكد تمسك الجنوبيين بقضيتهم باعتبارها قضية مستقلة ذات أبعاد سياسية وتاريخية خاصة.
وفي هذا السياق، شدد المتحدثون في المليونية على أن أي عملية سياسية مستقبلية لا يمكن أن تحقق نجاحاً أو استقراراً حقيقياً، ما لم تنطلق من احترام الإرادة الشعبية الجنوبية والتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها أحد الملفات الرئيسية في أي تسوية شاملة.

رسائل سياسية من منصة المليونية
وخلال الفعالية، حيا الأستاذ وضاح الحالمي، القائم بأعمال الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الجماهير المحتشدة، مشيداً بما وصفه بالمواقف النضالية التي يجسدها أبناء الجنوب دفاعاً عن قضيتهم الوطنية.
وأكد الحالمي أن الجنوبيين سيواصلون تمسكهم بحقوقهم السياسية والوطنية رغم ما وصفه بمحاولات التضييق والاستهداف، مشيراً إلى أن المجلس الانتقالي يمتلك برنامجاً سياسياً وتصعيدياً يهدف إلى إيصال صوت شعب الجنوب إلى المحافل الإقليمية والدولية.
من جانبه، اعتبر الأستاذ نصر هرهرة، القائم بأعمال رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أن الاحتشاد الجماهيري الواسع يمثل رسالة سياسية تؤكد استمرار تمسك الجنوبيين بمطالبهم الوطنية ورفضهم لأي محاولات لتهميش قضيتهم أو الانتقاص من حضورها السياسي.
فيما أكد الأستاذ خالد الزامكي، القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي بالعاصمة عدن، أن الحشود المشاركة بعثت برسالة واضحة للعالم مفادها أن أبناء الجنوب ما زالوا متمسكين بثوابتهم الوطنية وخياراتهم السياسية.
>> الغموض يلاحق الحوار الجنوبي الذي أعلنت الرياض رعايته
التحديات تعزز التماسك
ورغم ما رافق الفعالية من توترات وإجراءات أمنية ومحاولات للتضييق على المشاركين، فإن ذلك لم يمنع الآلاف من الوصول إلى ساحة العروض والمشاركة في المليونية.
ويشير مراقبون إلى أن مثل هذه الأحداث غالباً ما تسهم في تعزيز حالة التماسك الداخلي داخل الشارع الجنوبي، إذ ينظر كثير من الجنوبيين إلى الضغوط السياسية أو الأمنية باعتبارها تحديات تستدعي مزيداً من الاصطفاف حول القضايا الوطنية.
كما يرى متابعون أن استمرار الحضور الجماهيري في مختلف الفعاليات يؤكد أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى قضية مرتبطة بالهوية الوطنية والوعي الجمعي لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب.

تضحيات صنعت الحضور السياسي
ولا يمكن فصل الحضور الشعبي الراهن للقضية الجنوبية عن حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب خلال العقود الماضية.
فقد شهدت مختلف المراحل السياسية والعسكرية سقوط آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى، الأمر الذي أسهم في ترسيخ القضية الجنوبية في الوجدان الشعبي وتحويلها إلى قضية ترتبط بتضحيات كبيرة، يعتبرها كثير من الجنوبيين جزءاً من مسار طويل للدفاع عن الحقوق والتطلعات الوطنية.
ويرى محللون أن هذه التضحيات منحت القضية الجنوبية قدرة استثنائية على الاستمرار والبقاء في صدارة المشهد السياسي رغم التحولات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
مستقبل تصنعه الإرادة الشعبية
ومع استمرار التحركات السياسية والتطورات التي تشهدها المنطقة، تبدو الرسالة التي خرجت بها مليونية عدن واضحة في مضمونها، فالجنوبيون يؤكدون تمسكهم بحقهم في المشاركة في رسم مستقبلهم السياسي، ورفضهم لأي حلول أو ترتيبات تتجاوز إرادتهم أو تنتقص من تطلعاتهم الوطنية.
ويجمع مراقبون على أن الحشود التي شهدتها ساحة العروض اليوم لم تكن مجرد فعالية جماهيرية عابرة، بل مثلت تجديداً للحضور الشعبي للقضية الجنوبية، ورسالة سياسية متجددة تؤكد أن هذه القضية ما زالت تحتفظ بزخمها الشعبي وقدرتها على التأثير في مجريات المشهد السياسي.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبقى الثابت الأبرز أن القضية الجنوبية تواصل حضورها كإحدى أكثر القضايا تأثيراً في المشهد اليمني، مدعومة بقاعدة شعبية واسعة ترى أن مستقبل الجنوب يجب أن يُصنع بإرادة أبنائه، وأن أي تسوية مستدامة لن يكتب لها النجاح ما لم تنطلق من احترام هذه الإرادة والاستجابة لتطلعاتها السياسية والوطنية.

>
