من يحكم عدن؟.. تساؤلات الشارع تتصاعد مع تكرار الأزمات وغياب المعالجات
الجنوب - منذ ساعة و 20 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم يعد السؤال الأكثر تداولاً في العاصمة عدن مرتبطاً بمشاريع التنمية أو الخطط المستقبلية، بل بات سؤالاً أكثر بساطة وأشد إلحاحاً: من يدير المدينة؟ ومن يتحمل مسؤولية الأزمات المتلاحقة التي تثقل حياة السكان يوماً بعد آخر؟
ففي مدينة يفترض أنها مركز القرار السياسي والإداري للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تتراكم الأزمات بوتيرة متسارعة، فيما تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم حلول فاعلة أو طمأنة المواطنين بأن هناك جهة تدير المشهد وتتحمل مسؤولياتها.
وبين أزمة كهرباء لا تنتهي، وخدمات عامة متعثرة، وتدهور اقتصادي متواصل، ومخاوف أمنية تتجدد بين الحين والآخر، يجد المواطن في عدن نفسه أمام واقع يزداد تعقيداً، فيما تبدو الاستجابات الرسمية أقل من حجم التحديات المطروحة.
عدن.. عاصمة مثقلة بالأزمات
خلال السنوات الأخيرة، تحولت عدن إلى مركز لاستقبال تداعيات الحرب اليمنية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية. فقد استوعبت المدينة موجات نزوح كبيرة، وتحملت أعباء مؤسسات الدولة المنقولة إليها، وأصبحت واجهة الحكومة أمام الداخل والخارج.
لكن هذه المكانة لم تنعكس بالقدر الكافي على واقع الخدمات والبنية المؤسسية، إذ ما تزال المدينة تعاني اختلالات مزمنة في قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنظافة والطرق، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة اليومية.
ومع كل أزمة جديدة، تتجدد مشاعر الإحباط لدى المواطنين، الذين يرون أن حجم المعاناة يتجاوز بكثير حجم المعالجات المطروحة.
حكومة غائبة عن المشهد
منذ تشكيل حكومة الدكتور شائع الزنداني (منذ نحو أربعة أشهر)، تحولت الأزمات في عدن من أحداث طارئة إلى واقع دائم، فالكهرباء متعثرة، والخدمات الأساسية في تراجع مستمر، والأوضاع المعيشية تزداد صعوبة، فيما تتكرر الحوادث الأمنية والمشكلات العامة التي تثير مخاوف المواطنين، وسط تساؤلاتهم حول دور الجهات المسؤولة.
ومع كل أزمة جديدة، يتردد السؤال ذاته في الشارع العدني: أين الحكومة؟ وأين السلطة المحلية؟ ومن المسؤول عن إدارة هذه الملفات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر؟
وتواجه حكومة الزنداني انتقادات متزايدة بسبب غياب حضورها الميداني وانعدام تواصلها مع المواطنين، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الخدمية والاقتصادية.
ويؤكد مراقبون أن الحكومات لا تُقاس فقط بما تعلنه من خطط وبرامج، وإنما بمدى انعكاس تلك الخطط على حياة الناس. ويشيرون إلى أن الأزمات عندما تستمر لفترات طويلة دون حلول ملموسة، يصبح من الطبيعي أن تتجه الأنظار نحو السلطة التنفيذية باعتبارها الجهة المعنية بإدارة الدولة وتوجيه مؤسساتها.
ويرى مهتمون بالشأن العام أن أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في غياب الخطاب الحكومي المنتظم الذي يشرح للمواطنين طبيعة التحديات القائمة والإجراءات المتخذة لمعالجتها، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للشائعات والتكهنات ويزيد من حالة الإحباط المجتمعي.
السلطة المحلية أمام اختبار المسؤولية
ولا تتوقف التساؤلات عند الحكومة المركزية، بل تمتد إلى السلطة المحلية التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة المشكلات اليومية التي تعاني منها المدينة.
فالسلطة المحلية في العاصمة عدن يفترض أن تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطنين، والمسؤول الأول عن التنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات وإدارة الملفات الخدمية والتنموية داخل المحافظة. لكن كثيراً من أبناء عدن يرون أن أداء السلطة المحلية لم يواكب حجم التحديات المتصاعدة، وأن ردود الأفعال غالباً ما تأتي بعد وقوع الأزمات بدلاً من العمل على منع حدوثها أو الحد من آثارها.
ويؤكد مختصون في الإدارة المحلية أن نجاح أي سلطة لا يقاس بعدد الاجتماعات أو القرارات المعلنة، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء في مستوى الخدمات أو في سرعة الاستجابة للمشكلات أو في إدارة الأزمات الطارئة.
أزمة ثقة تتوسع
ومع استمرار الأزمات وتكرارها، بدأت تتشكل فجوة متزايدة بين المواطنين في مدينة عدن والمؤسسات الرسمية. فالمواطن الذي يواجه انقطاعات الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية وتكرار المشكلات الأمنية، لا ينتظر بيانات التوضيح أو التبرير بقدر ما ينتظر حلولاً عملية تعالج أسباب الأزمة وتمنع تكرارها.
ويحذر باحثون اجتماعيون من أن استمرار هذه الفجوة قد يؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي ويضعف قدرة الدولة على القيام بأدوارها المختلفة. فالثقة ليست شعاراً سياسياً، بل هي نتاج مباشر للأداء والإنجاز والقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
الدولة لا تحضر بالتصريحات
يرى مراقبون أن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه عدن تتمثل في غياب الإدارة الاستباقية للأزمات، حيث تبدو المؤسسات في كثير من الأحيان منشغلة بردود الفعل أكثر من انشغالها بصناعة الحلول.
فالدولة الحاضرة لا تظهر فقط في المؤتمرات الصحفية أو التصريحات الإعلامية، وإنما في قدرتها على منع الأزمات قبل وقوعها، وفي جاهزية مؤسساتها للتعامل معها عندما تحدث.
وعندما يشعر المواطن بأن المؤسسات الرسمية بعيدة عن معاناته اليومية، تتراجع هيبة الدولة تدريجياً لصالح مشاعر الإحباط والقلق وعدم اليقين.
عدن تستحق إدارة بحجم التحديات
اليوم، تبدو عدن أمام حاجة ملحة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، عبر حضور حكومي أكثر فاعلية، وأداء محلي أكثر كفاءة، وخطاب رسمي أكثر وضوحاً وشفافية.
فالمدينة التي تحملت أعباء الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية تستحق أن تحظى بإدارة قادرة على معالجة مشكلاتها، ومؤسسات تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وحكومة تكون حاضرة بين المواطنين لا غائبة عن همومهم.
وفي ظل المشهد الراهن، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الحكومة والسلطة المحلية في استعادة ثقة الشارع العدني وإعادة الاعتبار لدور الدولة، أم أن الأزمات المتراكمة ستواصل تعميق الفجوة بين المواطنين ومؤسساتهم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون في البيانات أو الوعود، بل في الأفعال والنتائج التي يلمسها المواطن على أرض الواقع، وفي قدرة الدولة على أن تكون حاضرة حيث يحتاجها الناس، لا غائبة عندما تشتد الأزمات.
>
