أسماك عدن.. وفرة في البحر وغلاء يثقل جيوب المواطنين
الجنوب - منذ ساعتان و 12 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم تعد قضية ارتفاع أسعار الأسماك في العاصمة عدن مجرد خبر اقتصادي عابر أو شكوى تتردد في أروقة الأسواق، بل تحولت إلى عنوان يومي لمعاناة معيشية تتسع رقعتها، وتمس واحدة من أبسط حقوق المواطن في مدينة بحرية يفترض أن يكون فيها السمك جزءاً من الغذاء اليومي لا سلعةً نخبوية.
في عدن، المدينة التي تمتد سواحلها على بحر غني بخيراته، تتكشف مفارقة قاسية بين وفرة المصيد من جهة، وارتفاع الأسعار في الأسواق من جهة أخرى. فبينما تُفرغ قوارب الصيادين حمولتها من مختلف الأصناف البحرية، يجد المواطن نفسه أمام أسعار تتصاعد بوتيرة جعلت كثيراً من الأسر تعيد حساباتها حتى في أبسط وجباتها الغذائية.
وتشير حركة البيع في الأسواق إلى مستويات سعرية باتت مرهقة لذوي الدخل المحدود، إذ وصل سعر كيلو سمك السخلة والديرك إلى نحو 26 ألف ريال يمني، أي ما يقارب 63 ريالاً سعودياً، فيما تتراوح أسعار أنواع أخرى مثل التمد والبياض بين 12 و14 ألف ريال للكيلوغرام الواحد. حتى الأصناف التي كانت تُصنّف باعتبارها "شعبية" وواسعة الاستهلاك، لم تعد بمنأى عن هذا الارتفاع، ما عمق الشعور العام بأن السوق لم يعد يعكس واقع المدينة البحري ولا قدرتها المعيشية.
هذا التفاوت يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة في الشارع العدني حول الأسباب التي تقف خلف هذه القفزات السعرية: هل يتعلق الأمر بتكاليف الإنتاج والنقل؟ أم بخلل في حلقات التسويق والوساطة؟ أم أن غياب الضبط والرقابة ساهم في إعادة تشكيل السوق بطريقة لا تراعي القدرة الشرائية للمواطنين؟
وبين هذه التساؤلات، تتعزز قناعة لدى كثيرين بأن السوق السمكي في عدن يعيش حالة اختلال بين العرض الطبيعي الوافر وبين التسعير النهائي الذي يصل إلى المستهلك، وهو ما يجعل شريحة واسعة من المواطنين تشعر بأنها تُستبعد تدريجياً من حقها في الاستفادة من ثروة بحرية يفترض أنها الأقرب إلى موائدها.
ومع استمرار هذا الوضع، تتسع النقاشات المجتمعية حول ضرورة البحث عن حلول جذرية تعيد التوازن إلى السوق وتحمي المستهلك، وتضمن في الوقت ذاته استدامة عمل الصيادين والتجار ضمن إطار عادل ومنظم. وتبرز في هذا السياق مطالبات عامة بضرورة تعزيز الرقابة على الأسواق، وإعادة ضبط سلسلة التوزيع، بما يحد من الفجوة بين سعر المصيد وسعر البيع النهائي.
وفي خضم هذا الجدل، تتصاعد في الفضاء العام أصوات تعبيرية تعكس حجم الاستياء الشعبي من غلاء الأسعار، وتدعو إلى معالجات أكثر فاعلية تعيد الاعتبار لدور الدولة والجهات المختصة في حماية المستهلك وتنظيم السوق، بعيداً عن تركه لمعادلات العرض والطلب غير المنضبطة وحدها.
ويؤكد مراقبون أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الأسعار ذاتها، بل في غياب منظومة متكاملة تضمن عدالة التوزيع وشفافية التسعير، بما يحول دون تحول الثروة البحرية إلى عبء اقتصادي على المواطنين بدلاً من أن تكون مصدراً للأمن الغذائي.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً مفتوحاً أمام الجميع: كيف يمكن لمدينة بحرية مثل عدن أن يصل فيها السمك إلى مستويات سعرية تُبعده عن موائد سكانها؟ وإلى متى يستمر هذا الاختلال بين ما يمنحه البحر وما يفرضه السوق؟
إن ما هو مؤكد اليوم أن ثروة البحر، بكل ما تحمله من قيمة غذائية واقتصادية، يجب أن تبقى أقرب إلى حياة الناس، لا أن تتحول إلى علامة إضافية على اتساع الفجوة بين الواقع المعيشي وموارد المدينة الطبيعية.
>
