أمراء الحرب وتجار الأزمات.. كيف أصبحت معاناة الشعب اليمني مصدراً للثروة والنفوذ؟

السياسية - Sunday 19 July 2026 الساعة 09:42 pm
عدن، نيوزيمن، خاص:

على امتداد أكثر من عقد من الصراع، لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية متكاملة أنتجت شبكات مصالح واسعة تستفيد من استمرار الأزمة أكثر مما تستفيد من إنهائها. 

وبينما يعيش ملايين اليمنيين تحت وطأة الفقر والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، نشأت مراكز نفوذ مالية وتجارية وعسكرية راكمت ثروات هائلة مستفيدة من واقع الحرب والانقسام.

في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يبرز سؤال جوهري: من المستفيد الحقيقي من استمرار الحرب؟

اقتصاد يولد من رحم الصراع

قبل انقلاب جماعة الحوثي على الشرعية اليمنية في 2014، واندلاع الحرب، كان الاقتصاد اليمني يعاني تحديات كبيرة، لكنه ظل يعمل ضمن منظومة دولة موحدة ومؤسسات مركزية. أما اليوم، فقد أفرزت الحرب اقتصاداً موازياً قائماً على الانقسام الجغرافي والسياسي، حيث تسيطر سلطات مختلفة على الموارد والمنافذ والأسواق في مناطق نفوذها.

ومع تعطل مؤسسات الدولة وتراجع الرقابة الحكومية، برزت أنشطة اقتصادية جديدة مرتبطة بالحرب نفسها، بدءاً من تجارة الوقود والأسلحة، مروراً بالمساعدات الإنسانية، ووصولاً إلى الجبايات والرسوم غير القانونية وعمليات التهريب.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الحرب لم تعد مجرد سبب للأزمة الاقتصادية، بل أصبحت في حد ذاتها نشاطاً اقتصادياً يدر أرباحاً ضخمة على فئات محددة.

الوقود.. السوق الأكثر ربحاً

يُعد قطاع المشتقات النفطية أحد أبرز نماذج اقتصاد الحرب في اليمن. فمع تراجع الإنتاج النفطي وتوقف التصدير، تحولت تجارة الوقود إلى مصدر دخل هائل لشبكات نافذة تستفيد من فارق الأسعار والضرائب والرسوم المتعددة المفروضة في مناطق السيطرة المختلفة.

ويؤكد مراقبون أن الأزمات المتكررة في الوقود لم تكن دائماً نتيجة نقص المعروض، بل ارتبط بعضها بصراعات النفوذ والمصالح التجارية، حيث تدر الندرة أرباحاً أكبر من الوفرة.

الموانئ والمعابر.. بوابات للثروة والنفوذ

في ظل الانقسام السياسي، أصبحت الموانئ والمنافذ البرية والجوية مصادر دخل رئيسية للأطراف المتصارعة. فكل منفذ يمثل مورداً مالياً ضخماً عبر الرسوم الجمركية والضرائب والإتاوات المختلفة، ما أدى إلى ظهور شبكات اقتصادية مرتبطة بإدارة هذه المنافذ أو التحكم بحركة التجارة عبرها.

كما ساهم تعدد نقاط الجباية على الطرقات في رفع تكاليف النقل وأسعار السلع، لينعكس العبء في النهاية على المواطن البسيط.

المساعدات الإنسانية.. بين الإغاثة والاستثمار السياسي

على مدار سنوات الحرب، تدفقت مليارات الدولارات من المساعدات الإنسانية إلى اليمن. ورغم الدور الحيوي الذي لعبته هذه المساعدات في إنقاذ ملايين اليمنيين من المجاعة، إلا أن تقارير دولية ومحلية أشارت إلى تعرض جزء منها للاستغلال أو التلاعب أو التسييس من قبل أطراف مختلفة.

وباتت بعض الجهات تنظر إلى المساعدات بوصفها مورداً اقتصادياً أو وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والاجتماعي، ما أوجد مصالح مرتبطة باستمرار تدفق الإغاثة واستمرار الظروف التي تستدعيها.

شبكات التهريب.. المستفيد الخفي

أدى استمرار الحرب في اليمن إلى ازدهار الأسواق غير المشروعة، فقد توسعت خلال السنوات الماضية أنشطة تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات والبضائع المختلفة عبر السواحل الطويلة والمنافذ غير الخاضعة للرقابة الكاملة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن شبكات التهريب باتت تحقق عوائد مالية ضخمة، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة والانقسام الأمني والعسكري. وتُعد هذه الشبكات من أكثر الأطراف المستفيدة من استمرار حالة الفوضى وغياب الاستقرار.

اقتصاد الجبايات والرسوم

أفرزت الحرب في اليمن كذلك ظاهرة تعدد السلطات المالية والجهات المحصلة للإيرادات. ففي كثير من المناطق، يواجه التجار وأصحاب الشاحنات والأنشطة التجارية سلسلة طويلة من الرسوم والضرائب والجبايات التي تُفرض تحت مسميات مختلفة.

وأدى ذلك إلى زيادة كلفة الإنتاج والاستيراد والنقل، ما ساهم في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

النخب الجديدة للحرب

أحد أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في ظهور طبقة جديدة من المنتفعين. فهناك أفراد وشركات ومجموعات نفوذ راكمت ثروات كبيرة خلال سنوات الصراع، مستفيدة من العقود الحكومية والوساطات التجارية والمضاربات المالية وتجارة الوقود والأنشطة المرتبطة بالحرب.

وبينما تآكلت الطبقة الوسطى واتسعت دائرة الفقر، برزت مظاهر الثراء المفاجئ لدى بعض الفئات التي ارتبطت مصالحها بشكل مباشر باستمرار الوضع القائم.

المواطن.. الخاسر الأكبر

في مقابل هذه الأرباح الضخمة، يدفع اليمنيون الثمن يومياً. فمعدلات الفقر والبطالة ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تراجعت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم.

كما فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، وتراجعت القدرة الشرائية للأسر، وأصبح ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وبينما تحقق شبكات المصالح أرباحاً من استمرار الأزمة، يواجه المواطن العادي معركة يومية من أجل البقاء.

هل أصبحت الحرب مصلحة اقتصادية؟

يرى محللون أن أحد أكبر التحديات أمام أي عملية سلام في اليمن يتمثل في وجود قوى ومراكز نفوذ أصبحت مصالحها مرتبطة باستمرار الحرب، أو على الأقل باستمرار حالة "اللا سلم واللا حرب".

فإنهاء الصراع لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يعني أيضاً تفكيك شبكات اقتصادية واسعة تشكلت خلال سنوات النزاع، واستعادت نفوذها وثرواتها من خلال اقتصاد الحرب.

ختاماً.. 

بعد سنوات من الصراع، بات واضحاً أن الحرب في اليمن لم تعد مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، بل أصبحت منظومة اقتصادية معقدة يستفيد منها لاعبون كثر، فيما يتحمل المواطن العبء الأكبر.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام اليمنيين والمجتمع الدولي ليس فقط الوصول إلى تسوية سياسية، بل كسر الحلقة الاقتصادية التي جعلت من الحرب تجارة رابحة للبعض وكارثة مستمرة للملايين. 

فكلما طال أمد الصراع، ازدادت قوة شبكات المصالح، وازدادت كلفة السلام.