إذاعة سيارتك تحدد طبيعة تعامل النقاط الأمنية معك.. عيد صنعاء الحزين

@ فارس جميل ، نيوزيمن، خاص: متفرقات

2018-06-19 12:32:45

سمعت أغنية الراحل علي بن علي الآنسي "آنستنا يا عيد" في صنعاء مرة واحدة خلال أيام عيد الفطر، وعندما أصغيت السمع جيداً لمعرفة مصدر الأغنية وجدت أنها في غرفة الأولاد عندما طلبت منهم تحميلها من الانترنت.

الجميع يعرف أن الأغنية هي أبرز ملامح الاحتفاء بالعيد في عموم اليمن، وواحدة من أبرز الطقوس المرتبطة به، عبر القنوات التلفزيونية والإذاعات المحلية ومسجلات السيارات وراديو المطابخ، وشاشات المحلات التجارية، لكنها غابت بشكل غير مسبوق عن كل هذه الحواضن التقليدية لها.

غابت عن القنوات التلفزيونية لأنها انشغلت بحدثين تزامنا مع العيد: الأول، نشر كلمة مسجلة للرئيس الراحل علي عبدالله صالح. والثاني، التطورات المتسارعة لجبهات الساحل الغربي، وانشغلت قنوات الحوثيين تحديدا بخطاب زعيم الجماعة بمناسبة العيد اسميا والمتضمنة خاطب حرب وحشد مقاتلين في الواقع، وغابت عن الإذاعات لأن الحوثيين يهيمنون على كل الإذاعات المحلية تقريبا، ويحددون خطابها بما يخدم توجهات الجماعة دون سواها.

عندما بثت قناة اليمن اليوم الخطاب المسجل للرئيس الراحل صالح، تعرضت بعض محلات الانترنت لمداهمات من قبل مسلحين حوثيين، للتأكد من عدم احتواء أجهزة تلك المحلات على خطابه، وطالبوا مالكي المنتزهات الخاصة بتناول القات بحذف القناة من قائمة القنوات الموجودة لديهم، وعندما بثت إحدى هذه الإذاعات الأهلية خطابات دينية لعلماء دين غير مرضي عنهم، ويقفون على الجانب المناهض للحوثيين تعرضت لهجوم وتحريض سافر من الحوثيين.

وغابت عن مسجلات الباصات وسيارات الأجرة والسيارات العائلية، لأن إذاعات الحوثي لا يوجد في قاموسها أهم من حشد المقاتلين للموت في جبهاتهم، ولأن نوع الإذاعة الذي ينبعث صوته من سيارتك يحدد طبيعة تعامل النقاط الأمنية معك، وعدم اهتمامك بزوامل الجماعة وخطابات زعيمها يعرضك لمواقف قد تكون خطرة بالفعل في شوارع صنعاء.

كما غابت عن مطابخ صنعاء، لأن النساء يفتحن الراديو عادة على أية موجة إذاعية، وما هو متاح من الإذاعات لم تكن أغنية العيد أولوية له، كما أن أنبوبة الغاز الفارغة، وكيس الدقيق الخالي من الدقيق، وقطمة السكر الذي انتهى وما إلى ذلك من متطلبات الحياة الأساسية، ترسم خطوط الحزن على وجه الناس، وتشغل قلوب النساء ببطون أطفالهن، وهموم أزواجهن، وما تخبئه الأقدار للجميع.

بطبيعة الحال هناك استثناءات لما عايشته هنا، ولكن بشكل عام هناك انحسار كبير لمظاهر العيد وفرحته في وجوه الناس وقلوبهم، فحتى الفيسبوك لم يشهد نشر صور الاحتفال بالعيد كالعادة، واقتصر ذلك غالبا على من سافروا لقضاء العيد في القرى والأرياف البعيدة حيث شغلتهم أحضان الاشتياق وحكايات الفراق، وتفقد خطوط الطفولة الأولى، والتمتع بالأمطار الموسمية عن هموم صنعاء الثقيلة، لأن هؤلاء المسافرين بالتأكيد يتمتعون بمستوى معيشة جيد سمح لهم بتحمل نفقات السفر.

لقد ارتفعت أسعار الثياب وملابس الأطفال بشكل جنوني، وكثير منهم لم يرتدوا ثياباً جديدة هذا العيد، وكثير من النساء لم يحصلن على عيدية أهليهن المعتادة "العسب"، بل إن كثيراً من الرجال ناموا نهار العيد وأغلقوا هواتفهم تهرباً من واجب الزيارات الأسرية التي تتطلب من المال ما لا يقدرون على توفيره، فكانت تلك الأجواء كفيلة بأن تنسي الناس عيدهم وأغنية الآنسي الأثيرة والخالدة حتى حين.