الحديدة.. أكثر من معركة عسكرية

السياسية - منذ 882 يوم و 11 ساعة و 13 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، سياف الغرباني:

كثفت عواصم أوروبية وغربية، فاعلة في الملف اليمني، التحرك على أكثر من مسار، لإعادة الأزمة اليمنية من ميادين المواجهة العسكرية، إلى طاولات السياسة، بالتزامن مع وصول القوات المشتركة إلى عمق مدينة الحديدة الساحلية.

من المحتمل أن تكون مساعي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، الأخيرة لبدء المحادثات في اليمن نتيجة ضغوط على عدة أصعدة، هي الشعور المتزايد بالضرورة الملحة لخفض وتيرة الحرب وتقليل الكلفة الإنسانية على المدنيين، إلى جانب حسابات مرتبطة بمصالحها الاستراتيجية.

بيد أن هناك عاملاً آخرَ يستحق المزيد من التدقيق، يتلخص في غياب رؤية سياسية لطبيعة المعركة مع الحوثيين ومن خلفهم إيران، تلتقي عندها القوى المنضوية في معسكر حلفاء التحالف، ذلك أن حالة الانقسام السياسي لخصوم الجماعة تحفز ما تبدو رقصة دولية على إيقاع الحوثيين.

وقد فتحت التجاذبات الدولية، حيال ملف الحديدة، مؤخراً، أعين المراقبين على تصدع سياسي يضرب جدار المعسكر المناوئ للحوثيين، وعن خلل جوهري يجذب المنظومة الدولية لدعم أية تسويات سلمية للأزمة المتفاقمة إنسانياً، حتى لو كانت تعزز فرص الطرف المتمرد على حساب تآكل الحكومة التي مازالت تعاملها كسلطة شرعية، وعلى حساب مستقبل اليمنيين بشكل عام.

الراجح، بل والمؤكد لدى كثيرين، أن فرص هزيمة الحوثية، الفكرة والمشروع والأجندة، متاحة ليس من الآن فحسب وإنما من وقت مبكر لهدير طائرات التحالف العربي في سماء اليمن، قياساً بالأفضلية العسكرية على مستوى القوة والإمكانات، بيد أن هذه الفرص تتلاشى مع تراجع ما يفترض أنها عقيدة وطنية تشكل رافعة المعركة المصيرية التي يلتف حولها غالبية اليمنيين.

مع الإشارة إلى أن انحراف الساسة عن مسار المعركة المركزية إلى حسابات منفعية جهوية في نطاق المنظومات المنضوية تحت راية "الشرعية" إلى جانب الهوة المتسعة مع المقاتل في الميدان، عوامل مجتمعة تشكل شرياناً يمد الحوثيين بالطاقة اللازمة لامتصاص حدة الضربات المميتة، في غير منطقة يمنية.

وبالنتيجة، تخوض الوحدات والتشكيلات المشاركة في العمليات العسكرية ضد مسلحي الحوثي، من محور الساحل الغربي في الحديدة، وصولاً إلى صعدة في أقصى الشمال، والبيضاء في الشرق ومريس وتعز في الجنوب، دون حامل سياسي يجيد تحويل الإنجازات العسكرية في الميدان إلى عامل قوة يرجح كفة القضية الأم في معادلة المفاوضات.

ومن شأن استعادة الحديدة أن تمثل خطوة استراتيجية في الحرب من أجل ضرب العمود الفقري للحوثيين، لما تشكله المدينة من أهمية عسكرية وأمنية واقتصادية، واستعادتها تعني قطع شرايين الإمداد العسكري والاقتصادي ووضع الجماعة أمام خيارات صعبة، تفرض إعادة النظر في سلوكها السياسي والعسكري، ويجبرها بالتالي على الجلوس إلى طاولة مفاوضات تنطلق من المصلحة المشتركة لليمنيين وليس من مصالح الجماعة المنفتحة على إملاءات إيران.

في الأثناء، ذهبت عواصم دول أوروبية وغربية وروسيا، لتكريس الاعتقاد بأن المسار الدبلوماسي والمفاوضات تظل السبيل الوحيد لإنهاء الصراع في اليمن، رغم أن المؤشرات الواضحة حتى اللحظة تشي إلى أن الحوثيين لا يريدون أكثر من استراحة تمنحهم الوقت اللازم لإعادة ترتيب صفوفهم وبدء جولة جديدة من الحرب المصبوغة بالجهوية المذهبية والجغرافية.

وهيمن الموقف الدولي من معركة الحديدة على نقاشات سياسية يمنية رفيعة المستوى في ظل بروز مؤشرات رفض واضحة لتقدم المقاومة المشتركة داخل المدينة، وهو ما ظهر في بعض التصريحات الرسمية، على غرار تلك التي أدلى بها وزير الخارجية اليمني، خالد اليماني، إذ أشار إلى أن التقدم الميداني يهدف للضغط على الحوثيين للعودة إلى المفاوضات.

وتقود المملكة المتحدة وفرنسا، تحركات مكثفة، عبر القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية، وفي أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لجهة خفض العمليات العسكرية للقوات اليمنية المشتركة، ضد مسلحي الحوثي في مدينة الحديدة الواقعة على الضفة الغربية للبحر الأحمر.

ويلحظ رغبة لدى لندن، لانتزاع موقف دولي رافض لاستعادة السيطرة على الحديدة، ودحر الحوثيين خارج المدينة ذات الأهمية البالغة، في معادلة الصراع الداخلي، وأيضاً في حسابات المصالح في المنطقة والعالم.

وعقد وزير الخارجية البريطانية، جيريمي هنت، اجتماعات في كل من السعودية والإمارات بشأن سبل دعم مجلس الأمن لعملية سياسية تؤدي إلى تحسين الأوضاع الإنسانية في اليمن، بما يتيح بدء المحادثات السياسية في السويد بحلول نهاية نوفمبر والتفاهم بشأن الخطوات التي ستؤدي إلى وقف العمليات القتالية.

وقد حملت التحركات الدولية في غضون إطلاق القوات المشتركة المدعومة من التحالف العربي، عملية استعادة الحديدة، إشارات صريحة إلى وجود "فيتو"، على معركة المدينة الواقعة على الضفة الشرقية للبحر الأحمر.

ويتكئ موقف اللاعبين الدوليين المؤثرين في الملف اليمني، من السيطرة على مدينة الحديدة، على مبدأ عدم دعم أي أعمال من شأنها أن تدمر البنية الأساسية الرئيسية أو يحتمل أن تزيد من تدهور الوضع الإنساني الرهيب.

لكن ثمة مؤشرات على أن واشنطن ولندن تعارضان أي جهود من جانب القوات اليمنية المشتركة، التي يساندها التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات للسيطرة على المدينة، انطلاقاً من استراتيجيات خاصة مرتبطة بمصالحهما المباشرة، على أنه موقف مغلف بمخاوف إنسانية.

مع الإشارة إلى أن هذا الرأي يتسق مع طرح مسؤولي الأمم المتحدة، إذ كثفوا في الأيام الماضية تحذيراتهم من أن عملية الحديدة، التي يقارب عدد سكانها 600 ألف، ستسبب كارثة إنسانية، وتفيد خطة طوارئ أعدتها الأمم المتحدة بأن عشرات الآلاف قد يموتون في أسوأ الاحتمالات.