أحمد نويهي مستقصياً أبكر سيف بين سهول المعافر وأحراش الكدحة

@ نيوزيمن، كتب/ أحمد نويهي تقارير

2019-11-28 20:59:03

ليست تعزية..

عرفت أبكر الإنسان عن قرب قبل ثلاث سنوات وهو يؤدي عمله في مركز شرطة مديرية المعافر كنائب لمدير الأمن..
قرأت في ملامحه صوتاً أصيلاً يؤدي فروض الوطنية بلا ضجيج في زحمة المسعى والناس تتدافع كما لو كان موسم حجيج.. كانت الحرب قد شارفت على نواحينا المطلة على سفوح النار المتدفقة من هناك حيث أوقدت مليشيا الانقلابيين شعلتها لتميد بالجغرافيا جميعها الجهات، نزحت قرانا وأكثر من ثلاثين قرية ذهبت لتتوزعها أكثر من مدينة وأكثر من محافظة وأكثر من مخيم وأكبر من شتات، تناثرت المخيمات على طول الطريق إلى البيرين السوق الواقع على خط تعز - عدن ليستقبل النازحين الفئة المسحوقة والمهمشة من لا عائل لهم سوى مخيم في شتاء المرحلة..

من نزحوا من قراهم بعضهم ثوى لدى أهله في قرية أخرى، والبعض بحث عن موطن جديد في مدينة لم تكن أيضاً بمعزل عن الحرب والحصار.

كنت قد عدت من صنعاء بعد غيبة وغيبوبة امتدت لخمسة وثلاثين عاماً لم تسمح كل هذه السنوات المتناثرة لي التعرف على #الكدحة السوق الذي لا يبعد كثيراً عن قريتنا غرب جبل حبشي.. كانت الكدحة تمتد على سهل أقرب إلى السواحلي بطبيعتها الرملية حيث تسامق النخل عنانها السماء.. عشت سنوات كثار والكدحة القريب البعيد شغفتني الحكاية وأنا الذي يعود كغريب يقتفي أثر المسير، كانت الكدحة سوقاً على طريق القوافل الممتدة من المخا إلى رأس النقيل، ومن ثم تتجه شرقاً إلى دمنة خدير لتفرش حمولها وسط سوق حيفان القريب من الراهدة.. والدمنة بلغة الهند مركز تجميع البضائع ومحطة تجارية على طريق الحرير..

كانت المليشيا قد هشمت البلاد أينما اتجهت في المدينة والبادية والحضر.. توزعت قذائفها شعابنا والحقول.. تكونت مقاومة شعبية من الشباب في نواحينا حتى أسندت مهمة #جبهة_الكدحة لأكثر من فصيل تعاقبت القيادات والناس تعاني التشرد والشتات أملاً بالعودة بانتظار الغد.. تتالت السنون وقد عاودت قراءة جغرافيا الصراع، كانت الكدحة موغلا قديما يبث الكثير من التبغ والتوابل.. ازدهرت ثم مادت ثم بادت ثم عادت بين غاد ورائح، فاحت رائحة البارود لتطفو فوق التلال الكمائن.. زرعت مليشيا الموت مئات الألغام كحاجز صد لتقدم المقاومة نحو الكدحة التي سقطت بلا قتال لكنه مشروع استثمار الحرب والاتجار بالبشر في سوق البائعين.

تناوب على الجبهة الكثير من المتربحين لم يخسر أحدهم شيئاً بقدر خسارتنا نحن المتشبثين بالأرض، وحدهم الصاعدون من رحم سهول وجبال القرى المشردة من أوقفوا زحف المليشيا هناك حيث امتشقوا أرواحهم واجترحوا البطولات ليؤكدوا أننا جديرون بالحياة..

كان أبكر قد تخرج من كلية الشرطة قبل سنوات وتسلم مهمات توزعتها خارطة الوطن ليستقر في مديريته كضابط شرطة يرتدي قيافته العسكرية كمهمة يومية يؤديها، يعيد ترتيب ما بعثرته الجريمة في مركز شرطة حيوي في مديرية شديدة الكثافة، إذ أصبح مركزها متقدماً باحتضان النازحين والناجين من محارق الجحيم.

اقتضت اللحظة أن يتقدم الصفوف ليقود الجبهة في لحظة انشغل رفاق السلاح أن يجعلوها حرب تقاسم مغرم وليس مغنما، شهدت البيرين أكثر من جولة صراع بين أكثر من فصيل.. عندها شد النقيب الشرطي بيادته نحو الكدحة ليعيد ترتيب الصف لتستقر إحداثيات القذائف عند الزاوية الحرجة، عاود أبناء المنطقة الالتحاق برفاق البندق ليحقنوا الانهيار في لحظة كادت...

كانت الكدحة أكثر منطقة في المديرية تعيش عزلة لتعشب فيها مستوطنات الفقر والبؤس والتهريب وضعف الناتج المحلي وتفاقم الأمية وتسرب عوائد المغتربين لتتلقفها مدن المنافي والشتات.

درس أبكر في مدرسة كانت عبارة عن أبجديات لفك طلاسم الجهل المتفشي هناك ليواصل المسعى لتقذف به المدينة ليصبح ضابط شرطة جاء من بادية عانت من الإقصاء والتهميش والتغريب ليحضر ببساطة رجل الدولة في وقت شحيح شديد الجدب ليورف ومعه ثلة من البدو المنحدرين من أحراش الكدحة حيث يفترش الضوء القمر بالقرب من حاموراء حيث الجبال تشع منها رائحة الزنك والفوسفات والذهب..

افترش أبكر التراب والتحف السماء ليوزع رفاقه على تباب وقباب حصب "الموطن" الذي وصفه الرحالة بعد حادثة ذاع صيتها حينما عبر بقافلته وقد اعتراه الخوف واقشعرت روحه نتيجة خلو السوق من الحياة:
"واحصب الموطن مابك خليو لا أباله ولا رعيو، مابك إلا علي ابن احمد مختبيو".

الكدحة، حيث تغرب الشمس لتشرق على سواحل تتماوج سهولها العير والقوافل منذ كانت ولم تزل تودع هذا الليل البهيم واحداً من فلذات أكبادها التي عاشت على الظمأ وقد انتظرته طويلاً ليترجم بؤسها ليفقهوا قوله بلغة المدينة التي يقاتل على ثغورها.

ليست مرثية ولا أجيد البكائيات، لكني سأنتظر طويلاً لتجود الكدحة بمثل هذه النخلة التي سامقت النجوم هذا النهار الغائم كلياً.. كما لو فقدت الرؤية لحينٍ من الوقت حينما ثوى الرفيق أبكر...