رَتِّل الفاتحة ونشيد البلاد.. "ديمغرافية" أضرحة الشهداء في الساحل الغربي (صور)

@ نيوزيمن، كتب/ محمد عبدالرحمن: تقارير

2020-04-08 12:50:51

>> من يريد أن يعرف ما معنى التغيير الديمغرافي فأضرحة الشهداء شاهدة بأن لكل منطقة ضريحا وشهيدا، على قطعة أرض شكّلت لوحة التنوع الديمغرافي.

استحضر الخشوع والوقار مستعظماً المكان وقدسية ساكنيه، ودخل إلى المقبرة من بابها، مرتلاً سورة الفاتحة ونشيد البلاد، وقف أمام أضرحة متساوية، تسكن بداخلها أجساد عليها علامات المعارك والفداء، وثقوب ينفذ من خلالها النور والإيمان، لكل ضريح اسم، حيث والأسماء لا تهم القاطنين، بقدر ما تهم الواقف أمام الضريح ليشهد أن الفجر جاء بدماء وتضحيات هذه الأجساد المكتنزة في الأضرحة، ولم تصنعه الطبيعة ولا الأهواء والأمنيات.

صافح أول ضريح أمامه وألقى السلام وجثا بركبتيه على حدود الضريح، وقرأ اسم الشهيد، وعرف أنه من أبناء تعز وتحديداً من الحُجرية، خاض معارك التحرير، وصنع بدمه نصراً وتضحية، وعيناه صوب الحديدة وصنعاء وصعدة، كان جسده كغيره من الشهداء والمقاومين مزيج عجينة من تراب كل منطقة في هذه البلاد، قاتل من أجلها ودفع دمه ثمناً لتحريرها وتخليصها من براثن العنصرية.

أكمل قراءة ما تيسر على الضريح الأول، ثم انتقل إلى ضريح آخر، قرأ اسم الشهيد وعرف أنه من أبناء إب، ثم التفت إلى ضريح ثالث وعرف أنه لشهيد من لحج، ثم ضريح آخر لشهيد من ذمار، ثم ضريح آخر لشهيد من عدن، وضريح لشهيد من مأرب، ثم ضريح لشهيد من صنعاء، ثم ضريح لشهيد من الحديدة والمخا وعمران وحجة وحضرموت، لقد وجد أن لكل منطقة في هذه البلاد ضريحاً ينتمي للكل وليس للجزء.

أضرحة الشهداء في الساحل الغربي، تحمل أسماء ذويها، متجردة من أسماء مناطقها ومبعثها، لقد تخلى الشهداء عن هويتهم الضيقة واعتنقوا هوية اليمن، وكذلك أضرحتهم ومراقدهم الأبدية، لم يقاتلوا من أجل منطقة بعينها، وليس من أجل أشخاص بعينهم أو فكر معين أو مذهب معين، لقد قاتلوا من أجل الجميع وغايتهم وطن آمن وعدل وحرية ومساواة، وعلى ذلك يقاتل الآن رفاقهم.

مراقد الشهداء في الساحل الغربي لوحة وطنية مقدسة، لا يستطيع أحد الادعاء بأنها تخص منطقة معينة أو مذهبا أو حزبا معينا، هذه المراقد هي شهادة التاريخ والسماء على دماء زكية أسقت الأرض، وأجساد باعت نفسها لله وخبز من أجل حرية الجميع، ولا يمكن لأي شخص يحمل قيما وأخلاقا وطنية أن يشكك في أي حال من الأحوال بصدق وإيمان ووطنية وتضحيات هؤلاء الشهداء.

من يريد أن يختلف فكرياً وسياسياً مع قادة المقاومة الوطنية في الساحل الغربي له ذلك، لكن أن يحمل هذا الاختلاف الكراهية والحقد وتوجيهه صوب الشهداء الأبرار فهذه خيانة وقبح أخلاقي، ليس هناك من أحد يهاجم الشهداء إلا شخص فقد كرامته وحياءه، وأصبحت العمالة تسري في دمه، ولا يجب السماح لمثل هؤلاء التطاول على دماء سُفكت وجماجم سقطت من أجل كرامة وحرية الجميع.

أضرحة الشهداء في الساحل الغربي أسقطت كل عنصري في وحل عنصريته وقبح عمالته، وألجمت أولئك المزيفين في فنادق الخارج، الذين عجزوا بسبب فشلهم وفسادهم عن تحقيق شيء إيجابي لهذه البلاد، وكشفت عن عورة النوايا الخبيثة لأولئك الذين يدّعون مقاومة الحوثي وهم في نفس الوقت سلاحه وعتاده وبوقه وخنجره الذي يطعن غدراً كل مقاومة حقيقية ووطنية.


من يريد أن يعرف ما معنى التغيير الديمغرافي فأضرحة الشهداء شاهدة بأن لكل منطقة ضريحا وشهيدا، على قطعة أرض شكّلت لوحة التنوع الديمغرافي، وليس هذا هدفها أو غايتها، فقط دليل أن القضية التي قاتلوا من أجلها واحدة، قاتلوا من أجل الجميع، من أجل تعز وعدن وصنعاء ومارب وصعدة وحضرموت ولحج وأبين وريمة وذمار والضالع والمهرة والجوف والبيضاء وشبوة وعمران وحجة والمحويت والحديدة وسقطرى..


في تلك الأضرحة المتراصة جوار بعض وجِد الانتماء الحقيقي للقضية وعدالتها وغايتها السامية، هؤلاء هم الرجال الذين صنعوا ديمغرافيا اليمن الجديد، دم واحد، جسد واحد، وقضية واحدة، مهما حاول المأزومون من رجم الشتائم أو تحجيم التضحيات، فالواقع وتلك الأضرحة كفيلة بأن تخرس كل ألسنة الشياطين في فنادق الخارج.