هل تغيرت سياسة قطر نحو اليمن بعد الأزمة الخليجية!!

@ تعز، نيوزيمن، معتز الشوافي: تقارير

2020-06-05 23:14:19

تدخل اليوم الأزمة الخليجية عامها الرابع، حيث قررت كل من السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر في 5 يونيو 2017 قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وبعد أيام قامت دول أخرى بخطوات مشابهة.

وهناك العديد من الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الأزمة والتي تم بموجبها مقاطعة قطر، ولعل أهم الأسباب تتمثل في دعم قطر لجماعات متطرفة عدة من بينها جماعة الإخوان المسلمين والتي تعتبر تنظيما إرهابيا في هذه الدول، ودعمها أيضا لعدد من الجماعات التكفيرية والارهابية السنية والشيعية وفي مقدمتها جماعة الحوثي وحزب الله وتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية ”داعش”، بالإضافة لتأييدها لإيران في مواجهة دول الخليج، وكذا عملها على زعزعة أمن هذه الدول، وتحريض بعض المواطنين على حكوماتهم، كما في البحرين ومصر.

وبالتوازي مع قرار المقاطعة أعلنت قيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن أنها قررت إنهاء مشاركة دولة قطر في التحالف بسبب ممارساتها التي تعزز الإرهاب، ودعمها تنظيمات في اليمن ومنها القاعدة وداعش، وتعاملها مع المليشيات الانقلابية في اليمن مما يتناقض مع أهداف التحالف التي من أهمها محاربة الإرهاب.

وبلا شك فإن خروج قطر من عضوية التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن قد جعل انحياز قطر ودعمها للانقلابيين الحوثيين يظهر للعلن، لكن السؤال الأهم يظل هو عن ماهية العلاقة بين الطرفين، وهل هي علاقة جديدة جاءت كرد فعل ونتاج للأزمة الخليجية؟ أم أنها علاقة قديمة ومتجذرة لكن الجديد فيها أنها أصبحت علاقة علنية وصريحة بعد أن كانت شبه سرية قبل الأزمة الخليجية؟

أول مظاهر الانحياز القطري العلني للانقلابيين الحوثيين برز في الجانب الإعلامي من خلال التغيير المطلق في محتوى الرسالة الإعلامية لقناة الجزيرة القطرية ووسائل الإعلام المدعومة من قطر التي تتناول الأحداث في اليمن.

وفي هذا السياق يؤكد أستاذ الإعلام بجامعة الحديدة الدكتور منصور عبدالله ناجي، في ورقة عمل بعنوان ”الحرب الإعلامية القطرية على اليمن.. إلى اين!” بأن الأزمة الأخيرة بين قطر وتحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادتي السعودية والإمارات فضحت قناة الجزيرة بأنها ليست قناة مهنية في معالجتها الإعلامية للحرب التي تشهدها اليمن وحسب، بل تجاوز خطابها من المتاجرة بالأزمة اليمنية لخدمة أجندة قطر بالإساءة لدور السعودية والإمارات إلى تلغيم القضية اليمنية لصالح أجندة إيران التدميرية، في تحول نوعي تفوق بالخصومة حتى على وسائل الإعلام المحسوبة على الولاء الإيراني، ولم يشهد التاريخ الإعلامي ظاهرة مثيلة لذلك”.

وأضاف الدكتور منصور، في ورقته، "إننا بحاجة لدراسة هذه الظاهرة لا لكشف أساليب التضليل المتبعة فيها بل للبحث عن أسرار الحرب الإعلامية القطرية للتمييز بين الوظيفة الإعلامية ومتطلباتها المهنية في الموضوعية والحياد، والوظيفة المخابراتية وغاياتها في زعزعة وتهديد الأمن اليمني والخليجي من خلال ضخ رسائل ملغمة والترويج لأفكار تضلل الرأي العام حول تدخل دول التحالف، وتؤلب مكونات تحالف دعم الشرعية بالداخل والخارج ضد بعضهم البعض تنفيذاً لمخطط الفوضى الخلاقة الذي بدأت شرارته بالعراق بتنسيق مخابراتي أمريكي إيراني، ويستهدف تمزيق دول اليمن والخليج على حد سواء إلى دويلات طائفية وجهوية”.

وتضيف الدراسة "إن بعد التكثيف الإعلامي يعد أحد أبرز رهانات الحرب الإعلاميّة القطرية على اليمن، وترتكز استراتيجية الدوحة في هذا الجانب على تكثيف حالة التشويه الإعلامي الموجهة نحو السعودية والإمارات بهدف تكريس صورة نمطية في الداخل اليمني وفي العالم أن تدخلهما العسكري لم يأت لإنقاذ اليمن من التمدد الإيراني وإسقاط انقلاب المليشيا المدعومة منه، بل طمعا في ثروات اليمن وتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، إضافة إلى بث سلسلة متواترة من الأكاذيب التي تعمد لتشويه أي عمل تقوم به دول التحالف بما في ذلك الأعمال الإنسانية والإغاثية، زد على ذلك تشويه صورة الحكومة الشرعية واظهارها مسلوبة الإرادة من دول التحالف، وإثارة الشكوك تارة بين مكوناتها العسكرية والسياسية والمكونات المناهضة للمليشيا، وتارة أخرى بينهما وبين الإمارات والسعودية، لشق وحدة وتماسك صف تحالف دعم الشرعية لمزيد من إرباك المشهد اليمني وتشويه قضيته العادلة في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية”.

وأشارت الدراسة إلى أن "الحرب الإعلاميّة القطرية على اليمن لم تكتف بتوظيف وسائل الإعلام القطرية من أجل تحقيق هذا الهدف الخبيث، بل ذهبت لتجنيد أذرعها الإعلامية اليمنية من القنوات الفضائية والمنابر الإعلامية التي تكفلت بتمويلها منذ 2011، وخلق منابر إعلامية جديدة في المشهد اليمني تتبنى خطابا مناهضا للتحالف لتضخيم الصوت المعادي له باليمن”.

فإثر الأزمة الخليجية مباشرة بدأت وسائل الإعلام القطرية وكذا اليمنية والعربية الممولة من قطر بتغيير سياساتها الإعلامية من خلال مهاجمة التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات ووصف الانقلابيين الحوثيين بــ”أنصار الله” وتقديمهم كأصحاب مظلومية يرتكبها بحقهم التحالف العربي.

في هذا الخط سارت أيضاً القنوات اليمنية المدعومة من قطر والتي تبث من تركيا وفي مقدمتها ”بلقيس” و“يمن شباب” والتي بدأت عقب الأزمة الخليجية بمهاجمة التحالف العربي ووصفه بأنه محتل لليمن، وهو الخطاب الإعلامي المتوافق مع الخطاب الإعلامي للانقلابيين.

وكانت مصادر إعلامية قد كشفت في وقت سابق عن قيام قطر بإنشاء ودعم وتمويل مكتب خاص بالتنسيق الإعلامي بين جماعة الحوثي وحزب الإصلاح ويتخذ من صنعاء مقراً له، حيث يهدف المكتب لتنسيق الجهود الإعلامية وتوحيد الخطاب الإعلامي للطرفين في مواجهة دور التحالف العربي في اليمن وخاصة في المحافظات الجنوبية عدن والمهرة وسقطرى.

مكتب التنسيق الإعلامي الممول قطريا يتم إدارته من قبل إعلاميين يمثلون الطرفين، حيث يديرون الخلايا الإعلامية التابعة للحوثي والإصلاح في القنوات التلفزيونية والمواقع الاخبارية والذباب الإلكتروني في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمثل الحوثيين في إدارة المكتب كل من عابد المهذري رئيس مجلس إدارة قناة اللحظة التابعة للحوثيين والمدعومة من قطر، والصحفي أسامة ساري وكيل وزارة الشباب في حكومة الانقلاب، وأحمد الشريف سكرتير صحيفة 26 سبتمبر الصادرة عن الانقلابيين، بينما يمثل حزب الإصلاح في إدارة المكتب كل من سمير النمري المراسل الصحفي في قناة الجزيرة القطرية، ومانع سليمان القيادي بشعبة التوجيه المعنوي بمارب، وجلال المسلمي الصحفي في صحيفة وموقع المصدر.

في إطار تكثيف الهجوم الإعلامي على التحالف العربي قامت قطر بإنشاء قناة جديدة تابعة لحزب الإصلاح تبث من تركيا تحت اسم ”المهرية” ويديرها مستشار وزارة الإعلام في الحكومة الشرعية مختار الرحبي، وتهدف القناة لمهاجمة التحالف العربي ودوره في اليمن وخاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية.

ولم ينته الدور الإعلامي السلبي لقطر عند هذا الحد، فقد قامت قطر بتمويل قناة تابعة للانقلابيين الحوثيين تبث من صنعاء باسم ”اللحظة” ويديرها الصحفي الحوثي عابد المهذري، وهي الخطوة التي جاءت في سياق التنسيق الإعلامي بين الحوثيين وحزب الإصلاح بدعم وتمويل من قطر، ووفقا لهذا التنسيق تم إعادة فتح مكتب قناة الجزيرة القطرية في صنعاء، وتقوم القناة ببث فعاليات الحوثيين ونقل خطابات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، كما تقوم باستضافة القيادات الحوثية في برامجها ونشرات أخبارها المتنوعة.

واستمرارا للدعم المقدم من قطر للانقلابيين الحوثيين تجري الاستعدادات النهائية لإطلاق قناة تلفزيونية جديدة تبث من صنعاء وبتمويل قطري تحت اسم ”العسكرية” وستكون تابعة لشبكة ”اللحظة” الإعلامية التابعة للصحفي عابد المهذري، وسيتم تخصيص القناة الجديدة للشأن العسكري لمواكبة الأحداث في جبهات القتال الخاصة بالانقلابيين، كما ستتخذ من دائرة التوجيه المعنوي في صنعاء مقرا رسميا لها.

الدعم الإعلامي اللامحدود الذي تقدمه قطر لجماعة الحوثي الانقلابية يأتي متزامنا مع دعم عسكري ومالي وسياسي تقدمه قطر للجماعة منذ تأسيسها، ويأتي في إطار السياسة القطرية المتمثلة بدعم قطر لتيارات الإسلام السياسي السنية والشيعية على حد سواء وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وحركة طالبان وتنظيم القاعدة وداعش وحزب الله وجماعة الحوثيين وغيرها من الجماعات الإرهابية والتكفيرية.

وقد ساهمت قطر في تأسيس جماعة الحوثيين في اليمن، كما لعبت دورا هاما في دعم الجماعة خلال الحروب الستة بين عامي 2004 و2010، وقد بدأ هذا الدعم بشكل سري وعبر منافذ تمويل خاصة، غير أنه ظهر للعلن خلال الحرب الثالثة في العام 2006 حين قامت قطر بإنقاذ جماعة الحوثي عبر رعايتها للهدنة التي تم توقيعها بين الطرفين وتم بموجبها إيقاف الحرب، وقامت قطر وفقا لهذا الاتفاق باستقبال أبرز قيادات جماعة الحوثي للإقامة فيها وفي مقدمتهم بدر الدين الحوثي وولده يحيى، بالإضافة إلى عبدالكريم الحوثي، كما تكفلت قطر بإعادة الاعمار وتقديم المساعدات والتعويضات، وعبر ذلك نجحت بتقديم المال والسلاح والخبراء العسكريين الإيرانيين إلى صعدة لتنتعش الجماعة الحوثية من جديد.

الأمر نفسه تكرر في الحرب الرابعة والتي مارست فيها قطر ضغوطا كبيرة على النظام اليمني لتوقيع اتفاق جديد مع جماعة الحوثي، وقام أمير قطر آنذاك حمد بن خليفة بزيارة إلى العاصمة صنعاء في مايو 2007 حيث قدم خلال الزيارة هبات ومساعدات وهدايا تقدر قيمتها بنصف مليار دولار أمريكي، واستطاع من خلال ذلك إقناع الرئيس علي صالح بايقاف المعركة العسكرية التي اقتربت من الحسم، كما قام ضباط قطريون بالتوجه إلى صعدة لتوقيع اتفاقيات وتفاهمات مع الحوثيين، وبموجبها تم إنشاء جسور تواصل بين الحوثيين وطهران لنقل أسلحة وخبراء ايرانيين في شتى المجالات العسكرية والإعلامية والسياسية إلى صعدة.

استمر الدعم القطري للحوثيين خلال الحربين الخامسة والسادسة بنفس النسق، وفي الحرب السادسة التي شاركت فيها المملكة العربية السعودية، سارعت قطر للضغط لتوقيع اتفاق جديد بين الحوثيين والدولة في يونيو 2010 وهو الاتفاق الذي تم بتخطيط إيراني ودعم وتمويل قطري ونجح الحوثيون فيه بانتزاع اعتراف ضمني من خلال الجلوس مع النظام اليمني على طاولة واحدة لتوقيع الاتفاق.

حتى خلال مشاركتها الصورية في إطار التحالف العربي لدعم الشرعية، ظلت قطر على تواصل وتنسيق تام مع الانقلابيين الحوثيين، وقامت بمدهم بمعلومات استخباراتية تسببت بمقتل عشرات الجنود الإماراتيين عبر الرفع باحداثيات المعسكر المتواجدين فيه لقيادات عسكرية حوثية، ليقوم الحوثيون بقصف المكان بعد مغادرة الجنود القطريين للموقع المستهدف، وهو ما يؤكد حقيقة عمل قطر لصالح الانقلابيين.

هذه المؤشرات تؤكد أن دعم قطر للانقلابيين ليس جديداً، ولم يتغير فعلياً بالأزمة الخليجية التي تدخل عامها الرابع وخرجت قطر بموجبها من عضوية التحالف العربي، لكن الجديد هو أن هذا الدعم أصبح ظاهراً وعلنياً، ويكشف الوجه الحقيقي لدويلة قطر والتي تعجز عن مكيجة وجه سياستها الخارجية المفضوحة.