الموجز

ذكرى اكتشاف "نفق" المحاولة الثانية لاغتيال “علي عبدالله صالح”.. الخلية الحوثية و“حزب الله”

@ المخا، نيوزيمن، مهيوب الفخري: تقارير

2020-08-14 01:55:31

في 13 أغسطس 2014 أعلنت حراسات الرئيس السابق علي عبدالله صالح الكشف عن نفق في محيط منزله، بدأ من داخل مستودع مبني من الزنك في شارع صخر يبعد 88 متراً شمال المنزل الواقع في منطقة الثنية، يمتد باتجاه الجنوب ويبدأ بحفرة عمقها ستة أمتار و70 سنتيمتر متراً وأبعادها 1.60× 1.60 متر، ونفق بطول 88.40 مترا، وارتفاع 1.70 متر وعرض 70 سم.

أعلن المؤتمر الشعبي يومها أنه "أُعد لتنفيذ مخطط شبيه بتفجير جامع دار الرئاسة الذي استهدف صالح وكبار معاونيه في عام 2011”، فيما سارعت المصادر الإعلامية المقربة من نجل الرئيس هادي إلى إتهام “الحوثيين” ونقلت عن مصادر أمنية، أن التحقيقات الأولية تؤكد تورط جماعة الحوثي في حادثة النفق، وأنه تم القبض على أربعة من حراسة الرئيس السابق وهروب ضابط من الحراسة مع سيارة طقم إلى عمران.

وكلف الرئيس عبدربه منصور هادي كل من وزير الداخلية اللواء عبده حسين الترب، ورئيس جهاز الأمن السياسي جلال الرويشان، ورئيس جهاز الأمن القومي اللواء علي الأحمدي للتحقيق، وزارت لجنة مصغرة بتكليف من اللجنة ذاتها المكان ونشر ذلك في التلفزيون الرسمي وكان هو الخبر الأول الذي ينشره الاعلام الرسمي عن الرئيس علي عبدالله صالح منذ مغادرته السلطة وتسليمها للرئيس عبدربه منصور هادي.

لم يتهم الرئيس السابق أحداً بشكل مباشر، لكنه قال إن "العناصر المتطرفة التي خططت ونفذت جريمة دار الرئاسة الإرهابية هي من تسعى جاهدة مرة أخرى لاستهدافي وتصفيتي". حسب ما نقل عنه الموقع الرسمي لحزب المؤتمر يومها.

وأعلن حزب التجمع اليمني للإصلاح، عبر صحيفته الصحوة، المتحدثة بإسمه، أن ذلك "عمل مُدان ومستنكر من قبل الإصلاح أولاً وأخيراً”، الاتهامات الغير رسمية التي وجهت له قال: أنه "يعمل على الأرض لا تحتها، وهو أكبر من أن تحشره البغضاء في نفق معتم لا يشير إلا إلى وجوه أكثر إعتاما".

وبدى أن الموقف موحداً ضد الجريمة، وبدأت تتكشف معلومات عن “هرب أبرز المشاركين إلى صعده”، ثم بدأ التحقيق مع المقبوض عليهم.. وتكشفت خيوط عديدة.. ثم تحول كل شيء إلى مماحكات حيث حول الإعلام الذي يموله نجل الرئيس عبدربه منصور هادي يومها أحد أهم مصادر الكشف عن الجريمة الى متهم، وشغل الاعلام بحديث جانبي عن “جميلة الكبسي” مختلقا قصصا عن علاقتها بنجل شقيق الرئيس صالح “طارق محمد عبدالله صالح”. ودخلت القضية نفقها ذاتها، ثم دخلت البلاد بكلها نفقا أكبر، واستمرت القضية قيد أروقة التحقيق وشهدت جلسة واحدة في فبراير 2017م.

مجمل ما تم نشره عن الحادثة التي يمر اليوم ذكرى الكشف عنها، تضمن أسماء سبعة من المتهمين خمسة منهم من الحرس الخاص للزعيم، وهم محسن نشوان، بدر دهمان، أحمد الشامي، خالد سنان، علي رزق، عبدالرزاق المحويتي إضافة إلى "عبدالمجيد دبيش".

وتمكنت حراسات الزعيم من اعتقال ثلاثة منهم، وهم محسن نشوان، بدر دهمان، أحمد الشامي، وسلمتهم للجنة التي شكلها هادي، وفي التحقيق ظهرت أسماء أخرى فرت جميعها إلى صعدة، وهم اثنين مشرفين من صعدة وإثنين آخرين قالت التحقيقات مع المتهمين ان لهجتهم "لبنانية أو فلسطينية"، الأول يدعى (أبو نوف)، فيما يدعى الثاني (أبو نايف). ويرجح علاقتهما بـ”حزب الله” ضمن خلية دعم الحوثي.

ولأول مره يكشف مصدر في حراسة الزعيم لـ"نيوزيمن" عن أن المشرفين الحوثيين، هما “ابو سعيد عبدالملك” والذي عينه الحوثي بعد ذلك أركان حرب للأمن المركزي، إضافة إلى "أبو شهيد الكحلاني"، وهم جميعا مرتبطين بـ"طه المداني" مؤسس ماتعرف باسم "الأمنيات" في لجان الحوثي الشعبية، وشقيق يوسف المداني والذي قتل بعد ذلك في لحج أثناء محاولة هروبه من “عدن”.

وفي تفسيره لعدم إثارة القضية بين الحوثي والزعيم، أثناء تحالف الطرفين بعد إعلان “عاصفة الحزم” قال المصدر لـ"نيوزيمن": "لم يكن بالإمكان فتح قضية كهذه، والتحالف كان بالأصل تحالف الضرورة أعلن عنه الزعيم بعد بدئ الحرب فلم يكن لديه أي خيارات أخرى، وحاول بالتحالف التضحية بكل ما يمكن في محاولة لعقلنة الخطاب الحوثي ومحاولة اقناع التحالف بالحلول السياسية التي ظل الزعيم يطالب بها في كل خطاباته”.

يعيد نيوزيمن نشر شهادة نشرتها “الشاهدة الأولى” كما وصفت نفسها “جميلة الكبسي”، والتي قالت أنها جزء من كتاب أعدته عن الحادثة حينما غادرت البلاد بعد الإفراج عنها.

>> الشاهدة الأولى تروي شهادتها عن مؤامرة تصفية الرئيس صالح في منزله.. الحلقة الأولى

جميلة الكبسي – اسطنبول ..


التخطيط لاغتيال شخصية سياسية في مستوى علي عبدالله صالح، أمر ليس بالهين ولم يخلو من سقوط ضحايا ليس لهم في السياسة وأطماعها ناقة ولا جمل، وكنت أنا واحدة من هؤلاء الضحايا لمجرد أني علمت بخطة النفق وسارعت بالإبلاغ عن الجريمة قبل وقوعها فإذا بي أواجه التحقيق أكثر مما واجه المتورطون أنفسهم.

سأتحدث في هذه الحلقة والحلقات القادمة عن التحقيقات التي تمت معي، وماهي ظروف دخولي لمبنى للأمن القومي، والذي لم أخرج منه إلا بعد أربعين يوما, وعن تفاصيل لقائي بالرئيس صالح بعد إطلاق سراحي, وماهي أهم التفاصيل التي سألني عنها وكان حريصا على معرفتها.

بدأت القصة قبل منتصف عام 2014 عندما زارني أخي الأكبر فيصل أحمد الكبسي في منزلي الكائن في حي الأصبحي، وكنت ألاحظ أنه كلما يأتي لزيارتي يدخل عند جاري عبدالرزاق المحويتي وهو أحد حراسة منزل علي عبدالله صلاح في الثنية.

أصبحت زيارات أخي شبه يومية للمحويتي، الذي كان قد بدأ بتأسيس جماعة من معسكر الثنية ومن خارجها تم إيهامهم أن الغرض هو سرقة منزل الزعيم والحصول على، وكان يظهر دوره لأفراد العصابة بأنه صاحب الفكرة وزعيم العصابة عملياً، والمخطط والمنفذ كما أنه الوحيد من أفراد العصابة الذي كان لديه دافع قوي، بسبب خلاف كبير نشب بينه وبين كنعان يحيى صالح، حيث ضربة كنعان وكسر كتفه، وحبسة أيضا، إلا أن علي عبدالله صالح عنف كنعان على فعله وأنصف عبدالرزاق المحويتي وكان عبد الرزاق يخُبر الجميع أنه سينتقم من كنعان بعد تمام المهمة وبسلاح جده (هذا ما عرف بداية، لكن فيما بعد ظهرت حقائق أخرى كثيرة قد لا تنفي ما سبق لكنها تثبت حقائق أخرى وتزيل الكثير من الغموض)

سألت فيصل عن سر هذه الزيارات، في البداية حاول أن يتحفظ، لكن لأنه يثق بي كثيراً أخبرني أن عبدالرزاق وضع خطة جهنمية لسرقة أحد مخازن السلاح في منزل علي عبدالله صالح، وأنه مطمئن تماماً لما يفعل لأن عبدالرزاق يعرف الهدف على وجه الدقة حيث أنه قام بترتيب الأسلحة والمحتويات الأخرى بنفسه، كما أن لديه دعم من داخل منزل صالح، في حال حدث أي شيء أو أثيرت شكوك حول صوت الحفر مثلا أو في حال ظهور أي مفاجآت أخرى، وكان فيصل من جانبه يعتقد أن القصة محبوكة حبكة عالية لتكون الجريمة الكاملة، وبدأ يخبرني بما تم إنجازه حتى تلك اللحظة.

س/ في أي مرحلة تنفيذية علمت أنا بالقصة؟

بداية تم تزوير بطاقة شخصية تحمل صورة فيصل باسم علي حسن الوصابي، بموجبها تم استئجار الأرض التي أقيم عليها الهنجر، والحقيقة أن هذا كلما كانوا يريدونه من فيصل فهو شخص من خارج الثنية وإنسان بسيط جداً لا يوحي شكله بأي قلق فهو مسالم للغاية ولا يحمل سلاحاً ولا حتى يرتدي جنبية، وكان يلعب دور مغترب عائد من السعودية من وصاب وبالفعل لهجته وطريقة كلامة تدعم الفكرة، لأنه بالفعل نشأ في السعودية وعاش فيها طويلا.

تم بناء هنجر على أرض أختير مكانها بعناية قرب شركة المدار وهي شركة موبايلات تبيع خدمات سبأفون المملوكة جزئياً للشيخ حميد الأحمر ليتم توجيه أصابع الإتهام إليه في حال فشل الخطة مثلما جرى في تفجير مسجد النهدين قبل ذلك بعامين).

تم الحفر بسرية كاملة على أساس أن الأعمال خاصة بالتاجر المزيف علي الوصابي الذي تقمص شخصيته أخي (فيصل الكبسي ) تحت غطاء تخزين شحنة أدوات كهربائية مفترضة ينتظر أن تأتي لاحقا من السعودية. وقد مضت الأمور على ما يرام في بداية الأمر، وتم تجاوز مشكلة بسيطة مع حرس الرئيس صالح عندما أرادوا التقصي عن أسباب إقامة الهنجر ومن هو صاحبه عبر اللواء حمود ناجي فاضل مسؤول الأمن حينها ومن حسن حظ المتآمرين أن حمود ناجي وحماية صالح أطمأنوا للأمر دون أن تساورهم أي شكوك.

أدخلت معدات الحفر والحفارين القادمين من صعدة في ساعة متأخرة من إحدى ليالي صيف 2014 على متن سيارة مقفصة، (وهي ذات السيارة التي كانت تستخدم في التخلص من تراب الحفر).

تم حفر فوهة النفق بشكل عمودي بعمق خمسة أمتار تحت الأرض قبل أن يتخذ مساراً أفقيا، كان لابد من أن يكون النفق عميقا حتى لا يشعر أحد بصوت وهزات الحفر. في تلك المرحلة كان لا يزال النفق في نطاق الهنجر، وقرروا إيقاف العمل حتى لا يلفتوا الانتباه، أو هكذا أوهموا فيصل.

في هذه المرحلة تحديداً أنا علمت بالأمر، والحقيقة أن الخبر كان صادما وبقوة، لم يكن الإعتداء على الآخرين أمراً وارداً في تربيتنا وأسرتنا، ودهشت من قبول أخي فيصل المشاركة في مثل هذا الفعل، وحتى في التحقيقات قيلت لي هذه الجملة تحديداً، (أنت وفيصل لابتوباتكم وتلفوناتكم كلها أشعار وكتب وثقافة ايش دخلكم في قضية مثل هي؟!!) وه وتساؤل منطقي بالفعل، لكن هكذا شاءت الأقدار..

حقيقة كنت متعاطفة مع علي عبدالله صالح في تلك الفترة، بالرغم من أني كنت ممن قالوا “ارحل” في 2011 لكن عندما سقطت أقنعة الثوار، تراجعت وخفت كثيراً وصدقت تحذير صالح بأنهم يريدون صوملة اليمن وكل ما كان يحاول صالح إيصاله لنا من ويلات تختبئ خلف ما يسمى بالربيع العربي.

هاجمت فيصل بصراحة ورفضت أن يستمر معهم في هذه الجريمة البشعة، وحاولت أن أقنعه أنه مغرر به، وأنه من المستحيل أن يكون أمر سرقة علي عبدالله صالح بهذه السهولة التي يخطط لها وينفذها عسكري عنده، قال أن الجماعة استفتوا شيخا أحل لهم سرقة علي عبدالله صالح لأنه سرق البلاد، بالتأكيد حركة مريضة وغير مقنعة ولا كافية أن نحلل ما نشاء وقت ما نشاء.

دخلنا في نقاش حاد استطعت من خلال هذا النقاش أن أقنعه بوجود خلل وتسأؤلات منطقية فنحن نعرف بيت المحويتي و نعرف ظروفهم المادية المتدنية فمن أين لعبدالرزاق أن يتحمل تكاليف العملية، وإذا كان هناك داعم هدفه السرقة، فمن غير المعقول أن يخسر ليتقاسم معكم أو يعطيكم من الغنيمة ما يغنيكم، بل سيرمي لكم الفتات لا أكثر، وماذا لو كان هناك هدف آخر غير السرقة، ربما اقتحام المنزل وقتل صالح في عقر داره، لماذا نشارك في إزهاق روح؟! مهما فعل لسنا معنيين بمحاسبة أحد، ولا بتصفية حسابات الآخرين مع بعضهم البعض، وماذا لو كان الهدف تلغيم النفق واغتيال صالح عبر نسف منزله، فكم من الأرواح والأطفال والنساء في ذلك المنزل غير الشخص المستهدف؟ وماذا عن البيوت التي عبر من تحتها النفق وماذا عن حياة من يسكنونها؟ خاصة أنه في تلك الفترة كان يتم الإعداد لزواج أحد أبناء صالح وكانوا ينوون إتمام المهمة في هذا التوقيت تحديداً، نظرا لانشغال الجميع، ولأن المناسبة العرس ستجمع كل عفاشي على وجه الأرض وكبار قيادات المؤتمر والدولة أيضا.

حاول أن يطمئنني أن كل شيء محسوب حسابه، لكنني أكيدة أني جعلته يفكر، فقد اتصل بي بعد أن تركني بساعات ليخبرني أنه التقى بالعصابة واختلف مع أحدهم ويدعى عبدالمجيد دبيش، وأن الأخير هدده بالقتل فطلب منه عبدالرزاق المحويتي ألا يقترب من الهنجر مرة أخرى تفاديا للمشاكل مع دبيش، واتضحت الصورة بأنهم اختلقوا المشكلة للخلاص منه وأن مهمته في أن يكون الواجهة الاجتماعية الراقية البعيدة عن الشبهات قد انتهت.

الجدير بالذكر أن دبيش كان من صعدة، وهو حلقة الوصل بين العصابة والممول.

وبالرغم من أن علاقة فيصل بقيت جيدة بعبدالرزاق المحويتي إلا أنه لم يكن مقتنعا بأن منعه من التواجد في الهنجر أمرا مقبولاً أيا كانت الأسباب، لذلك ذهب بعد أيام قليلة وعلى غفلة، فوجد أن النفق قد انطلق بسرعة البرق وأنه قد اخترق أسوار منزل صالح وتعدى الهدف.

كان الاتفاق أن يتم تأجيل الحفر شهر على الأقل حتى لا تتجه الانظار نحو الهنجر، لكن هذا لم يتم وبالرغم من تواصله المستمر بعبد الرزاق المحويتي إلا أنه لم يذكر أمامه أنهم استأنفوا الحفر.