الأحزاب كُشفت والنخب الثقافية أضعف حلقة.. اليمني أصيب بكارثتين: الحوثي وفساد الشرعية.. ومذكرات صالح ستكون من أهم المذكرات

@ القاهرة، نيوزيمن، حوار/ محمد عبده الشجاع: تقارير

2021-01-23 17:40:33

حول العديد من القضايا السياسية في المشهد اليمني والعربي والمشهد الثقافي والأدبي عمومًا؛ ثلاث محاور تجاذبنا حولها النقاش مع شخصية أكاديمية وباحثة بامتياز.

فارس توفيق البيل أستاذ/ الأدب والنقد الثقافي وأحد أهم الباحثين اليمنيين، سنتعرف عليه هنا. بداية سوف نتوقف في (الجزء الأول) من هذا الحوار عند المشهد السياسي اليمني، لتسليط الضوء على مدخلات ومستقبل البلد والانزياحات التي قد تؤسس لمشهد جديد.


**أستاذ فارس لو بدأنا من العقدين الأخيرين كيف يمكن قراءة أحداثه وصراعاته، من الحروب الستة إلى الربيع العربي والسيطرة على العاصمة صنعاء ثم مقتل صالح؟

*تقصد قراءة من ناحية سياسية.

**بالتأكيد سياسية واجتماعية وثقافية أيضًا؟

الدولة اليمنية لم تتشكل بالمعنى الكامل في منذ ثورة 26 سبتمبر. حدث تغير في النظام وانخرطت اليمن في المشروع القومي لكنها لم تستطع أن تتخلص من حالة الاستقطاب القبلي والعسكري والسياسي، ظلت الدولة مرتهنة لهما.

صحيح أن فترة صالح شهدت استقرارا وكانت ذهبية للانتقال والتخلص من هذه الأعمدة الثلاث المعيقة للدولة، لكن للأسف كان هناك نوع من التوائم بين الدولة وهذه الأقطاب.

من هنا كانت تحصل هذه المشاكل بدءاً بالحوثي، ثم انهيار المؤسسة في ما سميته أنت بالربيع العربي والدخول في مشهد سياسي متلاطم. كنا نقول من بعد الوحدة سيأتي البديل الطبيعي للحياة اليمنية والأحزاب، ويصبح التنافس على البرامج، حتى تنافس إيديولوجي، لكي يسحب التأثير من مراكز النفوذ.

للأسف الأحزاب كُشفت فيما بعد 2011 وظهرت أنها شبه منعزلة عن الواقع، ليست متجذرة إلا برغباتها ومصالحها، توالت الصدمات وصدمة الحوثي كانت أكبر، لم تجد كوابح حقيقية تمنعها، لا وجدت جبهة سياسية ذابت الأحزاب، ولا القبيلة التي كانت تقتات من الدولة، ولا الأرضية الواسعة من المنتفعين وأصحاب المصالح سمهم ما شئت هؤلاء ذابوا، مع أن الصدمة من الحوثي لم تكن بحجم المجتمع اليمني المتنوع وكان يفترض ألا تصل إلى هذه الحالة التي كشفت هشاشة المؤسسة بكل اقطابها.

الجميع غير قادر على استعادة الدولة بالمعنى المؤسساتي أو المعنوي، ولو جئنا نأخذ الأزمات التي ذكرتها يفترض في واجهة أي دولة هي أزمات عابرة يمكن أن تتغلب عليها، لكن كانت تسقط الدولة مقابل هذه الأشياء نظرًا لغيابها عن وعي الإنسان اليمني، كانت العلاقة نفعية والمواطن يتعامل مع الدولة على أنها كنز.

حتى الأحزاب والقبيلة ومراكز القوى كانت لهم نفس الرؤية.

**هنا نتساءل أين هي النخب الثقافية من هذا كله أم أنه لم يكن لها وجود؟

*النخب الثقافية أضعف حلقة في التاريخ اليمني المعاصر ربما في العقود الأولى بعد قيام الجمهورية كان لها تأثير معين لكن صوت القبيلة كان أعلى، المشكلة أن الأحزاب السياسية كانت قائمة على أفكار مستوردة وفي بعض امتداداتها لم تعد صالحة لا زمنيًا ولا مكانيًا والذين استوردوها في البداية كانوا نخبًا ثقافية، مع ذلك لم يستطيعوا تأطيرها أو ييمننوها بالمعنى الأصح، لذلك تلاحظ أن المثقف في الحالة اليمنية إما صوتا ضعيفا أو منعزلا وحتى تلك المراكز التي تحدثنا عنها لم تكن تجد حاجة لوجود المثقف.

ربما في بعض المناطق كان يحتاج للمثقف للترويج أو لعمل معين لأنه قيمة نظيفة لكن في حالتنا اليمنية لم يكن كذلك؛ في الوقت نفسه لم نجد مثقفين أقوياء حاولوا فرض وقع جديد أو أن يكونوا تيارا بديلا، كانت القاعدة أن الثقافة تقود السياسة لكن في حالتنا العكس.

**يعني المَدخل الذي طرحته سابقا ينطبق على الوضع الآن والمآلات التي أدت بمليشيا الحوثي إلى إخضاع الشمال بهذه الكيفية؟

بالضبط. لاحظ أن القوى التي سميتها انهارت بسرعة، جبهة الوعي أو الثقافة أو الهوية الوطنية غائبة، أحزاب أفكارها مستوردة، مراكز نفوذ تعمل لصالحها، القبيلة كانت تعاني من اللا انتماء؛ لذلك عندما تحركت مليشيا الحوثي هي شكلت اختبارا عميقا لكل هذه القوى بالإضافة إلى الحالة الثقافية أو المثقفين، لو كان لدينا حضور ثقافي لما انتشرت المليشيا بهذا الشكل على الأقل ثقافيًا وليس عسكريا؛ لأن أفكارها لا تنتمي للعصر ولا يصدقها إلا مجنون، مع ذلك كان لدينا حالة من الغياب السياسي والثقافي برغم أنها قليلة العدد وليست بالحجم الذي يُلقي بكل هذه الأطراف خارج اليمن ومن ثم يتحكم.

**السياسة.. كيف سرقت كثيرا من النخبويين الذين كان يعول عليهم الكثير تجاه المجتمع وقضاياه وأنت أحد هؤلاء كباحث؟

*صحيح لو تعمل مسحا لليمنيين الذي ترقوا بالدرجة العملية أو الباحثين والمهتمين عدد كبير لكن حجمهم ضعيف وانخرطوا في السياسة بسبب أن السياسة كانت في حالة الاستقطاب أو النفع المعيشي والمادي، لذلك كما لو أنه مضطر أن يكون سياسيا، المفترض أن المثقف مظلة أعلى من السياسي لكن لأن النفع عند السياسي ذهب المثقف، هذه الإشكالية في تصوري حتى الرواد لم يكن لهم تأثير كبير في خلق تيار واع وحاضر ولذا في ظل هذا، عجز كل تلك الأقطاب.

المفترض أن النخبة المثقفة هي الصوت الأعلى والمعبر عن الشعب بكل أنواع الفنون لأنهم انخرطوا في السياسة أولا ولأنهم ضعفاء، من الذي يعبر عن الناس اليوم؟ لاحظ الفجوة ليس تعبيرًا سليمًا لكن شخصيات رديئة على وسائل التواصل الاجتماعي، النخب غائبة أحبوا الانزواء وتركوا الساحة مفتوحة، الأحزاب أيضًا دهست المثقفين في داخلها كما لو أن اليمن غاب عنها ليس المثقفين وإنما الحضور الثقافي.

لذلك نحن اليوم أمام مشهد سياسي هش، أحزاب ليس لديها تأثير يمكنها اليوم تصدر بيانات لا أحد يلتفت لها، ممكن واحد مشهور على وسائل التواصل لا يملك القدرة على التعبير، بوست واحد يحدث ضجة والعكس لدى مثقف كبير.

صناعة الوعي كانت غائبة، الوعي اختطفته الأقطاب الثلاثة.

**المومري لديه أكثر من مليون متابع؟

*بالضبط.

**صنعاء.. من يحكمها اليوم؟

*يحكمها الحوثي.

**لكن ظهور السفير الإيراني بتلك الصورة ماذا يعني؟

*الحوثي هو مجرد أداة عسكرية بيد إيران ففي دستورها مشروع التوسع، وهدفها السيطرة على محور العالم الإسلامي المتمثل بالمملكة العربية السعودية لذا شكلت حولها هذا الحصار والسفير هو وضْع يد.

مليشا الحوثي لم تكن تمتلك شيئاً، وبلا تعليم فجأة يمتلكون كل هذه القدرات في البروبجندا والإعلام هؤلاء اُعدوا إعدادا كبيرا، ويعملون وفق المشروع الإيراني من يحكم أو يتحكم بصنعاء اليوم هي إيران.

**دعنا نتوقف عند التحالف العربي والشرعية، نحن على مشارف العام السادس وما زال هناك ضبابية أو غموض في الرؤية، المواطن غير مقتنع ومنتظر، الانزياحات التي حدثت ودحر الحوثي ما تزال في حالة صراع وهناك شعور بالخذلان؟

*في تصوري أن المواطن اليمني أصيب بكارثتين، الحوثي والشرعية، صحيح لا يوجد مساواة والتحالف بشكل عام والمملكة أسندت الشرعية سياسيا ومعنويا مما جعل لها حضورا دوليا كبيرا، وهذا لا يمكن إنكاره على الأقل تأطير الدولة اليمنية أمام المجتمع الدولي، كان ما يحدث في اليمن في أحسن الأحوال سيصنف على أنه حرب أهلية لا أحد يعرف أطرافها ولا نجد حتى اعترف بالجواز اليمني.

لكن دعنا نقول إن المشكلة بدرجة أساسية في قيادة الشرعية لم تستطع أن تلتقط الفرصة التاريخية التي منحتها، لديك خصم يتفق عليه الجميع (مليشيا الحوثي) كل المبررات تهيئك لمحاربتها، الخصم واضح "مشروع موت" لكن الشرعية للأسف جاءت وافسدت ولم تتحمل المسؤولية، صحيح أنه كانت هناك صعوبات لكن كان بإمكانها أن تعمل شيئا لديها دعم دولي كبير ومالي من التحالف، تقدم بديلا حقيقيا وملموسا لو حصل هذا النجاح في مناطق الشرعية لتغير وضع الناس وترك الحوثي وحيدًا في الجبال، واليمني بطبعه لا يطلب المستحيل وكان باستطاعتها لكن من سخرية القدر أنه وجدت الشخصيات غير مناسبة في هذه اللحظة.

تصور نحن في أسوأ كارثة إنسانية والأحزاب تتسابق على المناصب السياسية الوهمية في الخارج. شيء مرعب.

محافظة تعز.. سياق مختلف

**أستاذ فارس ربما الوضع العام متناغم في الحالة اليمنية لكن لو أخذنا محافظة تعز هل لها سياق مختلف وأنت على اطلاع بما يجري هناك؟

*تعز تختزل المشكلة اليمنية أو بمعنى أصح الفشل السياسي، بثقلها الثقافي والسكاني والاجتماعي تحاصرها أعداد من الحوثيين بينما يحدث داخلها صراع واسع وكبير من القوى التي يفترض أنها معادية للحوثي ولا تستطع هذه القوى بكل ما تملك من دعم ومن أجندات أن تتخلص من هذه المليشيا نوع من الفشل ومشهد سريالي يختزل المشكلة اليمنية.

**تقريبا الارتباطات الخارجية هي المعيق لأي تحول أو فعل؟

*هذه حالة استقطاب حصلت والأحزاب والقوى السياسية والأطراف تنظر إلى مستقبلها لا إلى مستقبل الناس وبالتالي هي فاقدة للبوصلة، تريد أن تسيطر ومليشيا الحوثي ليست أولوية عندها وهذا إشكالية طبعا استطاعت ليست مليشيا الحوثي ولكن الحالة المتدهورة في اليمن أن تحول أنظار هذه الأحزاب والقوى السياسية إلى مسار آخر مع أن المسار الحقيقي هو استعادة الدولة للجميع.

لكن عندما تفقد هذه الأحزاب الرؤية تصور أن المستقبل سيكون مخيفا للغاية، لو توحدت هذه القوى لطرد مليشيا الحوثي بالحجارة لاستطاعت بالكثافة الموجودة بحدة الصراع البيني الموجود داخل محافظة تعز يكفي للقضاء على مليشيا الحوثي، لكن لأن رؤيتها لمصلحة شخصية فهي غير قادرة على فتح طريق بنفسها.

مذكرات الرئيس صالح

**كنت تطرقت إلى موضوع مذكرات الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وتساءلت أين هي؟ وقلت مثل هذا الرجل يجب أن يكون له مذكرات مكتملة هل يعقل أن الرجل رحل بدون مذكرات وأين تكمن أهميتها؟ مع العلم أنني سألت أحمد الصوفي قبل عامين عنها وأفاد أن هناك حوالي ثلاث نسخ واحدة مع الأستاذ حسن الشاطر والثانية مع أقربائه وثالثة ربما أخذت عند اجتياح منزله من قبل مليشيا الحوثي بمنطقة الثنية؟

*بالنسبة لأهميتها هي تعتبر أهم المذكرات في العقود الأخيرة بشكل سياسي طبعًا ليس لأنها مذكرات صالح إنما لأنها تؤرخ لثلاثة عقود تجربة سياسية ثرية وحالة من التحول السياسي في اتفاقنا أو اختلافنا، الشخصية جدلية وارتباطاتها وعلاقتها وما أحدثت في التاريخ اليمني هذه المذكرات مهمة تعطي إشارات واضحة وحقيقية حول طبيعة الحالة اليمنية، حول المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي عمر كامل، لذا أنا حين وضعت هذا التساؤل وهو منذ زمن وكنت أقول أنها أهم وثيقة سياسية حتى إنها أهم من برامج الأحزاب، لأنها ستنقل التصور الحقيقي للحالة اليمنية، لكن للأسف الذي وصلني أنه لا أحد يعرف أين هي وهل اكملها أم لا.

**هل هناك تخوف من تحريفها إذا هي موجودة. ويقال إنه كانت هناك شخصية لبنانية أو مركز يقوم بجمعها؟

*في تقديري كان يفترض أن يكون شخص صالح نفسه حريصا على إخراجها إلى النور لأنها هي التي سترثه وهي تاريخه، ويفترض الآن بأسرته وأبنائه إن كان أنجزها أن يحافظوا على كل حرف كتبه؛ المذكرات توضع كما هي دون تحريف. أتمنى أن نجدها.

سيناريوهات مستقبل الحالة اليمنية

**سؤال أخير في هذا الإطار.. كيف تقرأ المشهد السياسي القادم في اليمن هل هناك مصالحة أم سيناريوهات أخرى؟

*في تصوري هناك ثلاث سيناريوهات: الأول وهو المخيف أن تستمر الحرب هكذا بلا هوية وندخل إلى مرحلة أن يمل التحالف والمجتمع الدولي من المشكلة اليمنية وتصبح مشكلة يمنية يمنية لا تنتهي إلا بتوافق الأطراف، لكن في هذه الحالة سيتضرر اليمنيون بشكل كبير لن تعود الدولة اليمنية على الأقل في المستقبل القريب، صحيح أنها نظرة تشاؤمية لكن هذا تصور.

السيناريو الثاني، أن يحصل مع وصول الإدارة الأمريكية القادمة فرض نوع من المصالحة أو تسوية بالأصح وستكون موقتة لكنها لن تقدم لليمنيين إلا سلامًا موقتا ويمكن أن تحافظ على ما تبقى من الدولة اليمنية.

السيناريو الثالث، هو أن يحدث انتصار لأحد الأطراف وهذا مستبعد أو يحدث حالة من التمزق وهذه لها إرهاصات، دولة في مأرب في الجنوب في الوسط في الجهة الغربية في حضرموت.

**بالنسبة لأرضية الأقاليم التي حاول الاشتغال عليها الرئيس هادي.. أين هي اليوم؟ 

هي كانت واحدة من الحلول ولم تكن الأمثل حتى إنها لم تُقر ولم يتفق عليها اليمنيون كانت ما تزال مشروعا لكنها نوع من الحلول، صحيح لها عيوب كثيرة لكن كان يمكن أن تحمي اليمن من هذه الحالة وربما هي تمثل نوعا من الحل لكنها تحتاج إلى إعادة دراسة. هناك تفاصيل لا تناسب على مستوى الثروة السكان تحتاج نوعا من التنقيح.