صحيفة أمريكية: القتال ضد داعش أعطى إيران ذريعة لتوسيع نفوذها في العراق

السياسية - منذ 11 يوم و 20 ساعة و 4 دقيقة
ترجمة خاصة، نيوزيمن:

خلال الأسبوع الأول من منصبه، استأنف مستشار الأمن القومي جيك سوليفان تطبيق "محور" الولايات المتحدة باتجاه آسيا وهو نهج وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون سيئة السمعة تجاه آسيا، مستغن عن المحللين في الشرق الأوسط لصالح التركيز على المحيطين الهندي والهادئ. لكن المنطقة احتلت العناوين الرئيسة في الأشهر الخمسة التي تلت ذلك، بين 11 يوما من الصراع بين إسرائيل وحماس، وتخصيب اليورانيوم الإيراني وسط تدهور المفاوضات النووية، والحرب المستمرة في اليمن.

وكانت أحدث شوكة للرئيس جو بايدن، حرب جوية متبادلة مع المليشيات الشيعية في العراق، حيث يتمركز الجيش الأمريكي حاليا بناء على طلب الحكومة القائمة. شهد الأسبوع الماضي أكبر تصعيد في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف الولايات المتحدة والتحالف الدولي هذا العام، مع ما لا يقل عن خمس هجمات منفصلة على مدار ثلاثة أيام.

يوم الأربعاء، سقط 14 صاروخا على قاعدة عين الأسد الجوية بغرب العراق، والتي تستضيف أكبر تجمع للقوات الأمريكية في البلاد، مما أدى إلى إصابة ثلاثة. في الوقت نفسه تقريبا، اعترضت القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا طائرة بدون طيار بالقرب من حقل العمر النفطي. كما تم استهداف سفارة الولايات المتحدة في بغداد وقاعدة أمريكية في مطار أربيل.

وسرعان ما تم اتهام المليشيات المدعومة من إيران بانها المسئولة. أكدت وكالة رويترز، الثلاثاء، شائعات مفادها أن قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين طيب، سافر إلى بغداد الأسبوع الماضي لتشجيع الجماعات الشيعية على تصعيد العنف ضد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها. وأفاد مسؤول كبير في المنطقة بأن الطيب نقل "رسالة المرشد الأعلى إليهم بشأن استمرار الضغط على القوات الأمريكية في العراق حتى خروجها من المنطقة".

ليس من الواضح ما إذا كان هذا الالتقاء يشكل أمرا مباشرا من طهران أم أنه مجرد ضوء أخضر، لا سيما بالنظر إلى تعدد المليشيات العراقية التي يمكن أن تكون وراء الضربات المختلفة. أوضح مايكل نايتس، المحلل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إنهم جميعا يريدون إظهار أنهم يقدمون مساهمات للمقاومة، كما يسمونها (..) إنهم يتنافسون مع بعضهم البعض، في النهاية، وكذلك يتعاونون."

لقد دعمت إيران الجماعات المتمردة العراقية بدرجات متفاوتة منذ الثمانينيات، لكن القتال ضد (داعش) في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قدم لطهران ذريعة بتوسيع نفوذها في البلاد. كما أضفت الحرب ضد داعش الشرعية على العديد من هذه المليشيات -على الأقل رسميا- في نظر الحكومة العراقية بتشكيل قوات الحشد الشعبي للقتال في عام 2014.

قال السفير الأمريكي السابق في العراق ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن دوغ سيلي مان لصحيفة "ديسباتش": "عندما اتخذت هذه المليشيات مواقع لمحاربة داعش في الشمال الغربي السني من البلاد، غالبا ما كانت توطد قدمها هناك وتبقى. كان هذا جزئيا جزءا من استراتيجية إيرانية لاستخدام حلفائها العراقيين لتزويد الأسلحة والذخيرة والمقاتلين وغيرها من التقنيات في جميع أنحاء العراق، عبر سوريا، لحكومة بشار الأسد في دمشق، وكذلك لحزب الله في لبنان". 

واضاف سيلي مان: "لذا، من ناحية، فإن الكثير من هذه المليشيات الشيعية وأجزاء من قوات الحشد الشعبي الآن هي عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية داخل العراق وعبره، في سوريا ولبنان".

تتكون قوات الحشد الشعبي بشكل أساس من عدة مليشيات شيعية، وهي جزء رسمي من قوات الأمن العراقية وتتلقى تمويلا حكوميا. كما تتلقى العديد من المجموعات الأعضاء فيها أيضا دعما ماليا وتكتيكيا من إيران.

هناك نوعان عامان من المليشيات: تلك التي نشأت بعد دعوة آية الله العظمى علي السيستاني عام 2014 التي نشأت ردا على صعود داعش، وتلك التي سبقت ذلك الحدث. 

وأوضح مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون والباحث المقيم في معهد أميركان إنتربرايز: "إيران دربت وتسيطر إلى حد كبير مالياً إن لم يكن من خلال الأوامر المباشرة للمليشيات السابقة (..) لديهم القليل من الشرعية القومية أو الدينية، لكنهم يسعون في كثير من الأحيان إلى إخفاء انتمائهم في عباءة المليشيات المباركة من السيستاني".

يولّد ولاء بعض المليشيات لدولتين حافزا لإخفاء مصدر الهجمات على أهداف الولايات المتحدة والتحالف الدولي، كما أن إنشاء مجموعات فرعية -مثل "لواء المهندس" الذي نال الفضل في إطلاق صواريخ عين الأسد- يسمح لهم بالقيام بذلك.

قال جيسون برودسكي، كبير محللي شؤون الشرق الأوسط والمحرر في إيران إنترناشونال: "لدى الإيرانيين تنظيمات ومليشيات قائمة، ومن ثم لديهم منظمات منشقة تهدف إلى عزل دور تلك الجماعات، وبالتالي بصمات إيران على أي تصعيد أو عدوان ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف". مؤكدا أن "هذا تكتيك استخدمته إيران مرارا وتكرارا في الماضي في العراق وفي مسارح أخرى لإخفاء وتمويه دورها".

في موجز في ديسمبر 2019 لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قدر الباحث المشارك في مشروع الدفاع الصاروخي، شن شيخ، عدد المقاتلين -الذين يشكلون أكثر من 50 مليشيا تابعة لقوات الحشد الشعبي- بين 75000 إلى 145000. وأوضح شيخ في مقابلة مع صحيفة "ديسباتش" أن النطاق الكبير يدل على الغموض المحيط بهذه المجموعات.

أسس نايتس وفريق من المحللين في معهد واشنطن مدونة بحثية تتعقب أعمال العنف التي ترعاها إيران في العراق وسوريا، لتجاوز بعض الارتباك. من خلال تتبع الأدلة المادية والإلكترونية، يربط الموقع مجموعات أكبر -مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق- بما يسميه منظمات "الواجهة".

أوضح نايتس: "ما يمكن أن نراه في تلك اللحظات التي تختلف فيها مجموعات العالم الحقيقي هو أن مجموعات الواجهات المرتبطة بها تختلف أيضا".

يمكن أيضا تتبع أنظمة الأسلحة المختلفة لرسم خط بين المقاتلين الذين ينفذون الهجمات وداعميهم الماديين. في كثير من الأحيان، يرتبط هذا الخط مرة أخرى بطهران.

على سبيل المثال، بدأ استخدام الطائرات بدون طيار من قبل المليشيات الشيعية في العراق بشكل جدي في أبريل من هذا العام. الطائرة بدون طيار ثابتة الجناحين KAS-04 التي يُعتقد أن كتائب حزب الله تشغلها هي نوع من نظام صمد الذي يستخدمه الحوثيون المدعومون من إيران. يُشتبه أيضا في أن أنظمة الطائرات بدون طيار الأخرى، يتم تصنيعها في إيران ونقلها بشكل غير قانوني إلى المليشيات.

وأوضح نايتس أنه بعد إطلاق صواريخ "متهورة" من قبل الجماعات المدعومة من إيران على أربيل في فبراير، بدأت إيران في تزويد مقاتليها العراقيين بأنظمة طائرات بدون طيار لتحسين دقتها. قال نايتس: "لقد رأينا إصابة نقاط هدف أكثر نشاطا وتحديدا، وكانت نقاط الهدف هذه تشترك في شيء واحد: كانت مواقع تمتلك فيها الولايات المتحدة أصولا للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، لذلك رأيناهم يستخدمون نظاما أكثر دقة ليس لإحداث أضرار جانبية، وليس لقتل الأمريكيين، ولكن لضرب شيء ذي قيمة".

وقال توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لصحيفة "ديسباتش": "ترى انتشار الكثير من الطائرات بدون طيار التي يمكن أن تحلق على ارتفاع منخفض وبطيئة للمضايقة أو الاستفزاز أو التسبب في ربط الضرر بأشياء مختلفة. اعتدنا أن نقول إن الصواريخ الباليستية كانت "القوة الجوية للرجل الفقير" في التسعينيات، ولكن ما نراه اليوم هو أن الطائرات بدون طيار هي صواريخ كروز للرجل الفقير -والخط الفاصل بين صواريخ كروز والطائرات بدون طيار غير واضح بشكل متزايد".

واضاف كاراكو: "التهديد الصغير للطائرات بدون طيار موجود هنا. إنها ليست مشكلة الغد (..) إنها مشكلة اليوم".

كان هذا التدفق المتزايد للطائرات بدون طيار المتطورة هو الذي دفع إدارة بايدن إلى شن غارات جوية نادرة في المناطق الحدودية في سوريا والعراق في 27 يونيو، مما أسفر عن مقتل سبعة على الأقل. لكن بايدن لم يرد بعد على ضربات الطائرات بدون طيار والصواريخ الأسبوع الماضي، على الرغم من تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست هذا الشهر يزعم أن البنتاغون يخطط للرد باستمرار على الهجمات، بغض النظر عن الخسائر.

وإذا ما تم التقيد بها وتنفيذها، فستشكل هذه الاستراتيجية خروجا عن استراتيجية إدارة ترمب، التي حددت موت أمريكي واحد كخط أحمر. قال سيلي مان: "أعتقد أن إدارة بايدن تحاول خلق ردع أكثر ضبابية (..) إنهم لا يعرضون للإيرانيين أو المليشيات ما هو خطهم الأحمر، لكننا نحتفظ بالحق في الرد عندما نشعر أنه من الضروري القيام بذلك".

-صحيفة "ديسباتش" الامريكية المختصة بالتحليلات الامنية.