شبكات تهريب واستثمار بصحة اليمنيين.. الحوثي يحول الدواء إلى نقمة

تقارير - الأحد 27 نوفمبر 2022 الساعة 09:06 ص
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تحوّل الدواء في مناطق سيطرة الحوثيين -ذراع إيران في اليمن، إلى نقمة أكثر ما هو نعمة للشفاء من الأمراض، هذه هي الحقيقة التي يعيشها أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعة، على مدى السنوات الماضية، وبعد إحكام سيطرتهم على تجارة الأدوية واستيرادها.

وما شهدته صنعاء الخاضعة لسيطرتهم، مؤخرا من وفاة عشرات الأطفال المصابين بمرض سرطان الدم، جراء أخذهم جرعة فاسدة ومنتهية، إلا واحدة من هذه النقمات التي عرت حقيقة مافيا الأدوية الحوثية، التي تقودها قيادات بارزة، كواحدة من أكبر مصادر الثراء لهم منذ اجتياحهم وانقلابهم على السلطة في 2015.

تدهور دوائي خطير تشهده مناطق سيطرة الحوثيين، يهدد صحة وحياة ملايين المواطنين البسطاء بسبب دخول شحنات الأدوية المهربة وغير المعروفة والمنتهية عبر منافذ سيطرة الحوثيين، خصوصا ميناء الحديدة، الذي أصبح أحد أهم المنافذ الذي تعتمد عليه الميليشيات لتهريب الأدوية.

سيطرة الحوثيين على وزارة الصحة العامة في صنعاء، والهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية، مكنها بشكل كبير من إدارة مافيا الأدوية وشبكات التهريب، وبطرق منظمة من خلال اعتماد الوثائق والمصادقة عليها، للسماح باستيراد وجلب أدوية غير مطابقة للمواصفات وتشكل خطورة على حياة المرضى. كما أن السياسات الدوائية الحالية المليئة بالاختلالات والثغرات ساعدت بشكل كبير في وقوع كوارث صحية كبيرة كان آخرها فاجعة الوفاة الجماعية للأطفال المصابين بسرطان الدم في صنعاء.

فاتورة ضخمة.. وتحالف للتهريب

فاتورة ضخمة لقيمة استيراد الأدوية كشفت عنها الهيئة العليا للأدوية الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء، حيث بلغت قيمة هذه الفاتورة نحو 88 مليار ريال سنوياً وهو تأكيد شبه رسمي على حجم غسيل الأموال التي تقوم به القيادات الحوثية في جانب الأدوية.

وتمكن الحوثيين بعد إحكام سيطرتهم على تجارة الأدوية، من تضييق الخناق على الكثير من المؤسسات والشركات العاملة في مجال استيراد الأدوية، وفرضت عليها قيودا وشروطا بهدف إجبارها على الإغلاق أو مغادرة مناطق سيطرتها، إلى جانب فرض الكثير من الجبايات والأموال على وصول الأدوية المستوردة بطرق رسمية من المنافذ اليمنية المختلفة.

الإجراءات الحوثية ضد القطاع الدوائي، كانت ممنهجة وليست عشوائية، حيث سعت الميليشيات الحوثية لتأسيس شبكة جديدة لتجارة الدواء في اليمن مرادفة للقطاع الرسمي،  وتعتمد الشبكة على تهريب الأدوية وإدخالها لمناطق سيطرتهم وتسويقها بالقطاع الصحي الرسمي والأهلي.

وكشف تقرير خاص للمنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، عن وثائق خاصة عن الشبكة الحوثية لتهريب الأدوية وبيعها وإغراق الأسواق المحلية بالملوث منها، والتي تتضمن 75 شخصًا يعملون في تهريب وتزوير الأدوية وبيعها لصالح مشافي وصيدليات خاصة.

>> الأدوية المهربة في الحديدة.. تسهيل حوثي ومحاربة مستمرة في المناطق المحررة

مقايضة المنظمات.. الدواء مقابل النسبة

التضييق على الشركات والمؤسسات الدوائية اليمنية المستوردة رافقه أيضا حصار وتشديد على المنظمات الدولية التي تقدم مساعدات دوائية مجانية للكثير من الأمراض المزمنة والخطيرة، حيث اعتمدت الميليشيات الحوثية على نظام المقايضة عند قبول المنح الدوائية من المنظمات الأممية والإنسانية حيث لا تدخل أدوية أممية إلا بتنفيذ قائمة طويلة من المطالب أبرزها حصولهم على نسبه من الأدوية وحصولهم على مبالغ ماليه.

الكثير من المنظمات الدولية والأممية، قللت من دخول الأدوية، وهو ما أثر بشكل كبير على المرضى الذين كانوا يعتمدون على تلك العلاجات المكلفة التي لا يستطيعون تحمل تكاليفها لارتفاع أسعارها، الأمر الذي أسهم بشكل كبير في تنمية تجارة الحوثيين وفتح لهم مجالا لاستيراد أصناف من الأدوية التي كانت تقدم للمرضى بشكل مجاني من قبل تلك المنظمات.

وكشف تقرير صادر عن المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، عن وجود تحالف بين قادة الحوثيين ومهرّبي الأدوية لتزويد السوق بالأدوية المختلفة، وهو ما يفسر رفض الحوثيين للمعونات الدوائية من المنظمات العالمية.

قادة حوثيون يديرون شبكة التهريب

فاجعة وفاة أطفال السرطان بصنعاء، جراء جرعة الموت الحوثية الفاسدة، عرت حقيقة عدد من القيادات الحوثية التي تسيطر على قطاع الصحة والدواء في صنعاء بشكل خاص، والمتورطين في تسهيل وتوزيع وإعطاء تراخيص دخول وبيع الدواء المنتهي الذي أعطي للأطفال داخل مستشفى الكويت.

وبحسب تقرير المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، فإن قادة الحوثي يستثمرون في الأدوية بما في ذلك طه المتوكّل المعين كوزير للصحة، ومحمد الغيلي المعين كرئيس هيئة الأدوية، ومطهّر المروني مدير صحّة صنعاء، وعدد من القادة العسكريين الآخرين ومسؤول كبير في مكتب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي يدعى "أبو محمد العياني"، ومدير مكتب الرئاسة في صنعاء أحمد حامد الرجل القوي داخل جماعة الحوثي ويوفّر لهم الحماية الكاملة.

وكشفت المنظمة عن جود نحو 71 من شخصيات وقيادات حوثية متّهمة بالمتاجرة في الأدوية المهرّبة والمزوّرة ومنتهية الصلاحية والحصول على أرباح خيالية على حساب أرواح وصحّة الشعب اليمني، والتي تم إدراجها ضمن قائمة سوداء وسط المطالبة بمحاسبتها وفرض عقوبات دولية عليها.

تهريب ممنهج.. بإشراف وزير حوثي

وقاد القيادي الحوثي طه المتوكل، المعين كوزير الصحة في صنعاء، دون مؤهلات مهنية في هذا المجال، عملية تدمير ممنهج للقطاع الصحي والدوائي، ومنذ اليوم الأول لاستلامه الوزارة. وعمل على إقصاء قرابة 150 موظفًا من الكوادر الفنية المهنية المؤهلة المتخصصة في كافة القطاعات الصحية واستبدالهم بكوادر حوثية لا تحمل أي مؤهلات صحية و"أكثرهم تأهيلا يحمل شهادة ثانويه عامة"..

ووفقًا لتقرير المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، فإن الوثائق التي تحصلت عليها أظهرت تورط وزير الصحّة الحوثي بقضايا فساد وإهمال جسيم للقطاع الصحي والتستّر على الفاسدين وعدم اتّخاذ أي إجراء ضدّهم أو إحالتهم للتحقيق رغم معرفته وعرض معظم الأمور عليه إذ يكتفي بالعمل على إخفاء الدليل ومعاقبة الشاكي بشتّى الطرق.

ووفقًا للتقرير، فقد عمل وزير صحة الحوثي، على محاربة الشركات والوكلاء الرسميين وعمل على استقطاب وفتح المجال أمام موردين جدد غالبيتهم مهربون وأصحاب سوابق في تزوير وصناعة الأدوية المغشوشة (بكر الصباري، يوسف يعقوب) وشكل لجنة من أربعين شخصًا من الموظفين الجدد الذي وظفهم  وغالبيتهم لا زالوا متعاقدين بدون مؤهلات وأكثرهم تأهيلا يحمل دبلوما من جامعة الناصر وأرسلهم مع المهربين وعلى نفقة المهربين إلى عدة دول لزيارة عشرات المصانع والشركات  في الصين والهند وماليزيا وعقدوا اتفاقيات لاستيراد دواء ومواد خام طبية.

مطالبة حقوقية بقرار دولي

ضلوع الميليشيا الانقلابية في تهريب الأدوية وبيعها في السوق السوداء والإضرار بصحّة الشعب اليمني، تعتبر جريمة ضد الإنسانية، وتستوجب إجراء تحقيقات دولية مكثفة من أجل تقصي الحقائق، خصوصا بعد الجرعة الحوثية الفاسدة التي راح ضحيتها أطفال مستشفى الكويت.

وطالبت المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر بضغط دولي لإصدار قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات على قيادات الحوثي المتورطة بتهريب الأدوية في مقدمتهم وزير الصحّة في حكومة الميليشيا الحوثية وكبار المسؤولين في وزارته المتورّطين في الاتجار بالأدوية المهرّبة والمزوّرة والفاسدة لتمويل الحرب وإثراء قادة الميليشيا.

ودعت المنظمة في تقريرها الحكومة اليمنية، إلى إجراء تحقيق عاجل في تورّط منظّمتي الصحة العالمية واليونيسيف وغيرها من المنظّمات المعنية بالقطاع الصحي في تسهيل استيلاء الحوثيين على المساعدات الإنسانية وبيعها في السوق السوداء وحرمان الشعب اليمني من حقّه الطبيعي في الدواء والعلاج.

كما طالبت وزارة الصحة العامة والسكّان بتحمل مسؤولياتها والقيام بدورها المتعلق بمراقبة سوق الدواء في اليمن وعملية الاستيراد ومنح التراخيص والتسهيلات لوكلاء شركات الأدوية وفقاً للقوانين النافذة في جميع المحافظات بما فيها الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتغطية الاحتياجات الدوائية للمجتمع بشكل مستمر وأن تتحمل المسؤولية الكاملة.