حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

عاداتنا قبل الردة الحضارية

السبت 07 مايو 2022 الساعة 05:55 م

لم يعرف الريف اليمني ظاهرة الفصل بين الرجال والنساء ولا ظاهرة الحجاب قبل المد الإخواني الوهابي قبل أربعين عاما.

ويتذكر جيلي والأجيال السابقة كيف كان الرجال والنساء، حتى من ضمن الأسر والعائلات المختلفة، يختلطون سويا ويتحدثون سوية ويجمعهم الحقل والمناسبات الاجتماعية والأعراس دون أي حساسيات أو وساوس حول صوابية العلاقة بين الجنسين.

بل كان الرجال والنساء في بعض الأرياف يجتمعون في جلسات القات ويتبادلون الأحاديث والنكات ويرقصون سويا الرقصات الشعبية المختلطة.

لم نسمع أبدا في ذلك الزمن البسيط أن المصافحة بين الجنسين حرام، أو تثير الشهوات. 

فكان الرجال والنساء يتصافحون بغض النظر عن أعمارهم. 

وكانت المصافحة في الأرياف تتضمن تقبيل اليدين، فتقبل المرأة يد الرجل الذي يصافحها ويقبل الرجل يد المرأة التي تصافحه.

ورغم تفضيل الرجال على النساء في الأرياف وإعطاء الرجل سلطة قوية على المرأة إلا أن المرأة الريفية لم تكن سجينة البيت كما هو الوضع في المدن والأرياف اليوم.

ولم تكن نغمة الشك في المرأة وأخلاقها والتحذير من "سوء طويتها" معروفة. 

كانت المجتمعات الريفية تعطي المرأة الريفية ثقة عالية جدا خاصة وهي تقضي وقتا طويلا خارج المنزل.

فهي تقضي ساعات طويلة في الحقل تحرث وتزرع وتحصد. 

وهي تقضي ساعات في البحث عن الحطب وجلب المياه ورعاية الماشية.

لم تكن المرأة الريفية اليمنية حبيسة البيت كما نتوهم اليوم.. بل كانت منغمسة في المجتمع ورفيقة الرجل أينما ذهب وصديقة الطبيعة شجرا وحجرا ووديانا وحقولا.

 المرأة الريفية لم تكن محجبة بالمعنى السلفي الإخواني الحوثي للحجاب المنتشر اليوم. 

ولم يكن الرجل الريفي ينظر لجسدها أنه عورة، بل كانت الريفية تتأنق لإبراز جمال وجهها وجسمها.

كان لبس المرأة اليمنية هو ذلك الفستان الفلكلوري الملون المنقوش الذي يكشف عن عنقها أو أعلى صدرها، وكانت فساتينها ضيقة عند الخصر والصدر للاحتفاء بخصوبة المرأة ومعالم أنوثتها. 

 أما الشعر فكان إظهاره أو إخفاؤه يختلف من ريف إلى آخر. 

فهناك أرياف لم تكن تغطي المرأة شعرها كاملا، إذ كانت تكشف النصف الأعلى منه. 

وفي أرياف أخرى كانت المرأة تغطي شعرها لكن دون أن تهتم كثيرا بإحكام غطاء الشعر فكان طبيعيا أن ينزاح قليلا ليكشف ما يكشف.

ولم يكن إبراز المرأة لجمالها يستفز رجال الريف ومشايخه وحكماءه ولم يقل أحدهم إن في ذلك اعتداء على الطبيعة أو على الفضيلة أو على الدين.

أما النقاب فلم يعرفه الريف اليمني أبدا وكان محصورا في بعض المدن التي عرفت الاحتلال العثماني الذي جلب معه نظام الحريم والنقاب.

أسمع اليوم اعتراضات البعض على اختلاط المرأة بالرجال، أو خروجها للعمل، أو كشف الوجه والتخلي عن النقاب، بحجة أن هذه الممارسات غريبة على عاداتنا وتقاليدنا.. لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما.

 إذا أردنا الحديث عن العادات والتقاليد فإن المجتمع اليمني كان مجتمعا مختلطا لا يفصل بين الرجال والنساء ويجمع بينهما في مختلف مناشط الحياة.

وعندما نطالب بالاختلاط كأسلوب تربوي فنحن نطالب ولدينا ميراث غني ومشرق حول صحة وسلامة المجتمع المختلط.

 لم تعرف المرأة الريفية الحجاب والنقاب بالشكل المبالغ فيه اليوم، بل كانت المرأة اليمنية سافرة ومتبرجة ومتأنقة.

ولم تكن المرأة اليمنية "ربة بيت" فقط، بل كانت عاملة منتجة داخل البيت وخارجه.

لهذا عندما نطالب اليوم بالتخلي عن آفة النقاب وعن الثقافة الطالبانية السنية والشيعية فنحن لا نخرج عن تقاليد مجتمعنا بل نطورها.

وعندما نطالب بحق المرأه في ارتداء ما تشاء حتى لو كان هذا اللبس يبرز جمالها وأنوثتها فإننا لا نطلب شيئا مستوردا أو مخالفا لثقافتنا، بل هو عودة إلى الأصل أو إلى "ضبط المصنع" الذي كان موجودا قبل غزو "البترواسلام" وغزو "الحوثية الطائفية" لمجتمعنا البسيط المتوازن الذي كان يعيش حياة لا يسيطر عليها الكبت الجنسي ولا الهوس بالخطيئة ولا الدعوات المحمومة لتقييد المرأة وعزلها.

لكننا لا نطالب فقط بالعودة إلى الأصل. فالماضي للعظة والعبرة لا لإعادة النسج على منواله. 

نحن نطالب بتطوير هذا الأصل وتجاوزه وتحرير المرأة / المجتمع من مخاوف الاندماج الكامل والشامل في العصر وتبني قيم المدنية والحرية.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك