عبدالستار سيف الشميري

عبدالستار سيف الشميري

تابعنى على

عن القيادة بالتوافق والثمانية

السبت 23 يوليو 2022 الساعة 09:54 ص

العدد ثمانية هو الأكبر في تاريخ المجالس الحاكمة ربما في اليمن والعالم، ولكن هذا العدد الكبير استدعته الضرورة، لتقسيم تركة الرجل المريض هادي ونائبه المتربص محسن وجبر الإخفاق في مرحلة السبع العجاف السابقة.

 وهي تجربة يمنية تكررت تحت اسم رئاسي أو "جمهوري" أو "قيادة" وربما غير ذلك.

ليس هذا هو المهم، إنما طريقة القيادة واتخاذ القرار بالتوافق هو الأهم، وهو موضوع السؤال والمقال، ذلك أن أمر التوافقية رغم أهميته ليس سهلاً ولا يسيراً كما قد يبدو للبعض.

التوافق في الأصل نموذج من نماذج الديمقراطيات ويقال إنه النموذج الهش أو الأضعف وتم اختراعه كاستجابة لظروف موضوعية يفرزها واقع ما.

ويعود الفضل في هذا الاختراع لمجموعة من أساتذة علوم السياسة والممارسين السياسيين الغربيين في طليعتهم "ارند يجهارت "وماكغري" وغيرهما، وهي وسيلة أو حل مناسب للفترات الانتقالية العابرة في أي بلد يعاني من الحرب أو ظروف ومشاكل عرقية أو دينية أو غيرها.

وهذا النموذج يعمل على تطبيع الأمر وطمأنة النفوس وتهدئة المخاوف واقتسام السلطات والمشاركة في صنع السياسات، لكنه أيضاً لا ينجز الكثير بصورة جيدة أو سريعة. إنه نموذج الضرورة، لو صح التعبير.

سؤال الابتداء 

عن التوافقية عبر التصويت في اتخاذ القرار، هل هذا النموذج قادر على استيعاب الكارثة اليمنية والعبور إلى سلام أو مصالحة وطنية أو حل سياسي أو نجاح في الحسم العسكري أو ما شابه؟  

هناك سؤال هام تتبعه مراكز البحوث لا سيما الغربية منها وتضع سؤالاً هاماً عن جوهر مشكلة الشرعية وسبب إخفاقها. 

ملخص السؤال:

أين يكمن جوهر المشكلة في اليمن لدى الشرعية ومجلسها الرئاسي الجديد؟

وما هي أهم القضايا الكبرى المطروحة في أولويات المجلس؟ 

وتحضر الإجابة البديهية في أن توحيد مؤسسة الجيش هو جوهر المشكلة ويأتي تبعا لذلك مؤسسة الأمن.

 وهذه المشكلة رغم تشكيل مجلس الدفاع والأمن أو لجنة لذلك، مؤخرا، إلا أنها ليست محل توافق بين مكونات الشرعية شكلا ومضمونا.

والذهاب إلى هكذا أمر يتطلب اختراع شكل ما لهكذا توحيد أو تشكيل في المؤسستين في ظل غياب الثقة شمالا وجنوبا أولاً، ثم غيابها بين المكونات الجنوبية ذاتها والشمالية كذلك.

لا أحد قادر أن ينفي أن كل الأطراف التي يمثلها الثمانية بامتداداتهم الخارجية يقومون بنسج تحالفاتهم الخاصة وتشكيل قوام السلطات بدون الفريق الآخر منذ سنوات، وتم تشكيل هياكل كثيرة، لا يريد أي طرف فك عقدها لصالح الهدف العام والبعض له تخوفاته المشروعة في ذلك.

هنا يبرز سؤال جديد وهو كيف يمكن الوصول إلى هدف الجيش الوطني الواحد بعقيدة واحدة وفك طلاسم هذه التخوفات؟

وهي بالطبع مهمة ليست سهلة وربما يماثلها نفس الأمر في مؤسسة الداخلية والأمن بكافة أجهزتها.

صحيح أن العملية السياسية الأخيرة في اليمن بنيت على التوافق وأفرزت هذا المكون الذي أسمي بمجلس القيادة الرئاسي وأعطت كل عضو صوتا كي تتخذ القرارات بهذا التصويت، لكن حتى اليوم ورغم مضي قرابة أربعة أشهر لم يطرح موضوع أو قضية للتصويت.

 وهنا يبرز السؤال المربك ربما، ماذا لو تم التصويت بالأغلبية على قرار ورفضه اثنان مثلا من أعضاء الرئاسي؟ كتوحيد الجيش مثلا وتسمية وزيره وقادة ألويته، هل سيمر هكذا قرار؟

أشك كثيرا في ذلك.

وهذا يستدعي تفاهمات على تفاصيل كثيرة أكثر ما يستدعي التصويت كوسيلة توافق كما ورد في بيان "عبدربه" بتخويل صلاحياته للمجلس والذي هو أشبه بإعلان دستوري لكنه غير مكتمل، واكماله يستوجب تفاهمات وتنازلات بالإضافة إلى اللوائح التنفيذية للمجلس أو سوف يظل المجلس حبيس تخوفاته من أن يصل إلى شقاق وعدم التوافق، بل يقتضي عدم الولوج أصلا إلى مرحلة التصويت وفرز الأغلبية، ذلك أنه لو تم التصويت ولم يتم التنفيذ سيبدو المجلس كالبطة العرجاء، بحسب المصطلح السياسي الأمريكي، وهو لقب يطلق على الرئيس الأمريكي في فترة وداعه وفترة الانتقال في دور الاستلام والتسليم وهي فترة زمنية قصيرة أو بين فترات الانتخابات في جولتها الثانية وهو يشير على وجه العموم على عدم قدرة الرئيس على اتخاذ قرارات ذات أهمية ويذهب في هذه الفترات إلى هوامش وشكليات وبروتوكولات فقط.

 وهذا هو الغالب على المجلس الرئاسي اليمني منذ تسلمه الأمر حتى اللحظة.

 لكن من المبكر القول إنه سوف يستمر على ذات المنوال إلى ما لا نهاية.

صحيح أن فكرة التوافق صارت حجر الزاوية في البناء السياسي اليمني، من يريد كسرها لا بد أن يوجد بديلا عنها، والبديل المطروح هو الأغلبية الوطنية العابرة للجماعات والأحزاب والمكونات وهي مفقودة وصعب إنتاج من يمثلها حاليا في وضع الحرب وتعقيدات المشهد.

وحتى في السابق لم تستطع إنتاج نفسها في ظل الأوضاع المستقرة السابقة رغم بعض المحاولات التي قاربت ذلك.

لا أحد يستطيع أن يخفي أن المكونات التي يمثلها الثمانية لديها توجسات من بعضها وتعيش حتى اللحظة معارك كسر إرادات، وتوجهات، ولعل الجامع الوحيد لها هو العداء للمشروع الانقلابي الحوثي ومدده الإيراني وهي أرضية جامعة تحتاج تفاصيل كثيرة كي يمضي قطار المجلس في هذا الاتجاه ليس بالخطاب الإعلامي والسياسي ولكن على الواقع الميداني العسكري، وهنا بيت القصيد.

وهنا تبرز الشجاعة والقدرات القيادية وتعدد البدائل الممكنة لاتخاذ توافق ذي طبيعة عملياتية لكنها للأسف لم تبدأ بعد حتى اليوم.

والسؤال السادس الذي يطرح نفسه بعد كل الأسئلة السابقة على افتراض أن لدينا صراعا كبيرا داخل مكونات الشرعية والمجلس الرئاسي أهمها، وهو صراع متنوع يبدأ من مشاريع وقضايا مشروعة ويصل إلى أطماع غير مشروعة ويمتد أحيانا إلى صراع أيديولوجيات وأفكار وصراع مصالح وتبعيات... الخ.

وهنا يأتي سؤال مهم وهو كيف يمكن هضم كل ذلك، وإنتاج توافق على ثلاث أو أربع قضايا مركزية؟ وترحيل كل هذا اللاتوافق في كل ما ذكرناه آنفاً، وإنتاج توافق بحده الأدنى في تلك القضايا الحصرية لخدمة الهدف العام الجامع وهو المطلوب إثباته الآن وليس غدا.

على سبيل الختم ومجمل القول:

ما تم طرحه هنا من أسئلة مشروعة نموذج بسيط لعشرات الأسئلة المعلنة على ألسنة اليمنيين والمضمرة في صدورهم حول فرص التوافق في القضايا المهمة واتخاذ القرارت الصعبة وأسئلة أخرى عن أفضل الطرق والممكنات لنجاح الفرصة الأخيرة المتمثلة بالرئاسي.

كما أن هناك أسئلة عن طبيعة الدور الضاغط من دول التحالف لدعم إخراج القضايا الأهم في اليمن إلى واقع، وعن جدية المجلس في عدم الالتهاء بالتقاسم، أو التعيينات الشكلية أو الدعائية أو الذهاب إلى الهوامش من القضايا، دون متنها وجوهرها وعن أولى خطوات النجاح التي يريد أن يراها الشارع رأي العين، يحسها ويلمسها.

ولا شك أن الوصول إلى ذلك يتطلب نضجاً سياسياً وحكمة تتخطى كل الحسابات والمخاوف وتجيد تأجيلها وعدم إلغائها، لأن ذلك مستحيل. وإلى أن يتم ذلك سيبقى المجلس بطة عرجاء.