فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

تهافت مقولة (الثورة البنت)!

الأربعاء 05 أكتوبر 2022 الساعة 09:35 م

كلما جاءت مناسبة تتعلق بثورتي 26 سبتمبر أو 14 أكتوبر أو وحدة 22مايو، ونصبت منابر الخطابة في صنعاء، يكون لا بد للخطيب من تذكيرنا أن ثورة سبتمبر هي الثورة اليمنية الأم، وهي أم ثورة أكتوبر، وهذه المقالة كانت ترد دائما في كلمات ومقابلات الشيخ عبد الله الأحمر أكثر من غيره.. وعند منتصف العام 2005 تقريبا، استمعنا كلمة للأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني علي صالح عباد (مقبل) ورد فيها ما مؤداه: دعونا من هذه الحكاية الممجوجة: الثورة البنت والثورة الأم! لكنه لم يقدم تفسيرا لاحتجاجه الوجيه، لعله رأى أن المقام ليس مقام تفسير.

ونعتقد أننا لو أصررنا على قالة الثورة الأم والثورة البنت، فإن ثورة أكتوبر هي الثورة الأم، على الرغم من عدم إيماننا بوجود ثورة أم وثورة بنت.. لكن لو تم الإصرار على هذا التصنيف سوف نجد أن ثورة أكتوبر هي الثورة الأم، وأن ثورة سبتمبر بنتها.. فثورة 14 أكتوبر تعد أقدم من الناحية التاريخية، فهي امتداد للمقاومة الوطنية التي ظهرت صبيحة قدوم طلائع المستعمرين البريطانيين إلى قبالة جبل صيرة بغية احتلال عدن بداية العام 1839، ولم تتوقف هذه المقاومة في أي يوم من الأيام، بل تطورت إلى ثورة تحرر وطني في أكتوبر 1963، بينما أبعد عمق تاريخي لثورة سبتمبر يذهب إلى العام 1938، هذا لو اعتبرنا أن النصائح التي كان يهديها بعض الأحرار للإمام يحيى، ومن بعده لابنه أحمد ضرب من المعارضة، وأنها من البذور التي أثمرت ثورة سبتمبر. 

إن ثورة أكتوبر ثورة مختلفة ضخمة شاملة، كان نساؤها ورجالها مزودين بالقدرة على التغيير، فتمكنوا من احداثها في كافة الميادين.. على سبيل المثال أسقط آباء ثورة أكتوبر المشاريع الصغيرة وغير الوطنية، بنضالهم السلمي قبل العمل المسلح، كما في مثال الجمعية العدنية التي اسسها المحامي لقمان في بداية العام 1949، وكان من أولى أهدافها التعاون مع السلطات البريطانية في مستعمرة عدن في سبيل لتطوير النشاط الاقتصادي، رفع مستوى العدنيين معيشيا، وترقيتهم وحماية مصالحهم.. أن تكون للعدنيين وحدهم الوظائف الرئيسية في أجهزة الحكومة المختلفة، والشركات التجارية، وتحقيق الحكم الذاتي لمستعمرة عدن وربطها بالمستعمرات البريطانية (الكومنولث).

ومنذ غداة ثورة أكتوبر وحتى عشية الاستقلال المجيد، تصدت هذه الثورة لأخطر مشروع بريطاني يبقي الجنوب تابعا لسياسة التاج في لندن، وقامت بأكبر وأوسع عمل وحدوي في تاريخ المنطقة.. لقد اشرف المندوب السامي البريطاني في عدن، على تنفيذ فكرته بتكوين اتحاد فيدرالي سمي اتحاد إمارات الجنوب، ومول هذا المشروع الذي ضم الإمارات والسلطنات الست: بيحان، الضالع، الفضلي، العوذلي، يافع العليا، والعوالق العليا، وكان ذلك عام 1959، وفي العام 1961 انضمت إليه خمس أخرى فصار يتكون من 11 مشيخة وإمارة، ثم ضمت إليه مستعمرة عدن، إلا أن ثورة أكتوبر أخمدت هذا المشروع، من خلال العمل المسلح الذي أوقع الامارات والمشيخات والسلطنات الواحدة تلو الأخرى في أيدي ثوار الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل، بداية من امارة الضالع، وانتهاء بسلطنة المهرة.

لقد ضمت الجمهورية الوليدة، جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية أكثر من عشرين إمارة ومشيخة وسلطنة، وهذا واحد من مظاهر عظمة ثورة 14 أكتوبر.. إنها أكبر ثورات التحرر الوطني في العالم الثالث.. هي لم تكلل بذلك المشروع الوحدوي الذي ضم أكثر من عشرين سلطنة وإمارة ومشيخة فحسب، لم تسقط الكيانات الانعزالية فحسب، لم تحقق الاستقلال الناجز في 30 نوفمبر 1967فحسب، بل كانت من بين العوامل الرئيسية في تراجع نفوذ الاستعمار البريطاني في مختلف بقاع الأرض التي كانت تحتلها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.. بتحرير الجنوب من ذلك الاستعمار خسرت بريطانيا أهم القواعد العسكرية التي كانت تهيئها لتعزيز سيطرتها في البلدان المستعمرة.. وهي أيضا من أكبر ثورات التحرر الوطني بالنظر إلى التكتيكات والخطط والتضحيات التي قدمها الثوار طول فترة الكفاح المسلح التي استمرت نحو خمسة سنوات دون توقف، وخلال هذه الفترة لقي كثير من المستعمرين البارزين مصارعهم على أيدي الثوار وأنصارهم، وإلى جانب الكفاح المسلح تمكن قادة ثورة أكتوبر من جعلها ثورة شعبية، من خلال تثوير الجماهير واستمالتها إلى جانب مشروعها الوطني، كما بدا الأمر في المظاهرات الشعبية والإضرابات والتجمعات الاحتجاجية التي نظمت في قطاعات التعليم والصناعة والتجارة والخدمات، فكانت تحدياً إضافياً لسلطة الاستعمار التي فشلت كل أساليبها وأدواتها القمعية في إخماد الروح الثورية.. أهذه ثورة بنت؟