عبدالباري طاهر

عبدالباري طاهر

تابعنى على

مدونة السلوك والتخويف بالآيات

الخميس 17 نوفمبر 2022 الساعة 10:06 ص

موظفو الحكم يخضعون لنظم وقوانين ولوائح، فلديهم حقوق، وعليهم واجبات كمواطنين أولاً وموظفين ثانيًا.

معروف أن الإدارة في كل زمان ومكان من عصرنا ينظمها المتخصصون، أما الشأن الديني، ورسالة القرآن الكريم، فهي رسالة عامة، وموجهة للبشرية جمعاء، وليست موجهة أو خاصة بالإدارة، أو الموظف.

ومعروف أيضًا أن التحديد والتعريف ينبغي أن يكون جامعًا مانعًا لا يخرج منه شيء، ولا يدخل فيه غيره، وهناك فرق كبير بين الاستدلال بالآيات والتفسير والفقه والأصول، وبين القوانين الوضعية والدساتير، وهو ما أدركه الإمام علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه– عندما رفع مقاتلوه المصاحف في وجهه لوقف انتصاره: فصاح بأصحابه: “القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الرجال، وهو حمال أوجه".

 فالاستشهاد بالآيات في تحديد واجبات وحقوق الوظيفة العامة تَزَيُّد وتظاهر في غير محله، ففي اليمن المحروبة المنهوبة ثرواتها، والمحاصرة برًّا وبحرًا وجوًّا، داخليًّا وخارجيًّا، والتي تتجاوز فيها المجاعة الـ80%، والموظفون بدون مرتبات، والأسعار في ارتفاع فاحش، وتغيب فيها الخدمات العامة: التطبيب، والتعليم، والخدمات الضرورية، خصوصًا في الأرياف ومناطق الاحتراب.

أن يقول الظالم للمظلوم: اتق الله، فهذا منتهى الاستبداد، كما أن الاستبداد الواقعي أيضًا هو ما قاله عبدالملك بن مروان: من قال لي اتق الله قطعت رأسه!

أن يقال للموظف المحروب، والمقطوع راتبه، والمسلوب الحق: اتق الله، فهو استهزاء بالتقوى، وبالموظف.

المدونة التي تتحدث عن الهوية الإيمانية لا تختلف في قليل أو كثير عن دعوة عبدالمجيد الزنداني لزيادة الإيمان، فالاستبداد هو الاستبداد، ولكن الاستبداد بدون توظيف المقدس الديني، والاستدلال بالآيات أرحم ألف مرة، فمن يعظم شعائر الله؛ فإنها من تقوى القلوب. (الآية).

في الدولة الإسلامية في عصورها الأولى الزاهية أُوقف تطبيق بعض الحدود بسبب المجاعة، ولكن أنصار الله (الحوثيين) يضاعفون معاناة الموظف الجائع والمحروب، والمحاصر بالمزيد من تغليظ الواجبات بدون حقوق.

أن يعظ غني فقيرًا بالزهد والتقشف، فهو الباطل، لكن أن يلزم الحكام أنصار الله (الحوثيين) بقيود والتزامات وواجبات موظف جائع مسلوب الحقوق، فهو أبطل الأباطيل، إنه ما يسميه المفكر علي شريعتي "الاستحمار".

تقع مدونة السلوك الوظيفي، وأخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة في 35 صفحة، والصفحة الـ36 نموذج تعهد بالالتزام بمدونة السلوك.

الفصل الأول: التسمية، والأهداف، والإطار المرجعي، والفصل الثاني: المبادئ، والقيم، والثالث: المسؤوليات، والواجبات، والرابع: التعامل مع البيانات، وتكنولوجيا المعلومات، والإعلام، والخامس: تعزيز النزاهة، ومكافحة الفساد، والسادس: أحكام ختامية.

وتكرس المقدمة للتنويه بأهمية المدونة انطلاقًا من المفهوم الإيماني، معتبرة بنود وقواعد وأحكام المدونة مسؤولية إيمانية وأخلاقية ومهنية… إلخ، ويتضمن التعريف في الفصل الأول الإشارة إلى العلاقة بالهوية الإيمانية الواجب الالتزام بها.

التعريف العلمي للإيمان هو الاعتقاد الراسخ لا يقل في قوته عن اليقين، ولكن لا يمكن نقله عن طريق البرهان. إنه يعتمد أساسًا على الثقة وطمأنينة القلب أكثر مما يعتمد على الحجج العقلية. (المعجم الفلسفي، مادة إيمان).

اتفق علماء اللغة على أن الإيمان يعني التصديق، والتصديق مكانه القلب، وهو ما يتفق مع رأي الشيعة، فالإيمان عندهم هو التصديق القلبي الذي ينعقد في قرارة النفس، وهو أعلى رتبة من الإسلام، فالإسلام هو النطق بالشهادتين لسانًا، والعمل به ظاهريًّا كإسلام المنافقين، وعند أهل السنة الأشاعرة وأهل الحديث هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وعند ابن تيمية هو: الاعتقاد، والقول، والعمل.

أقام السعوديون دولتهم الأولى في نجد عام 1233ه/ 1744م بتحالف بين ابن سعود، وابن عبدالوهاب على الفكر الحنبلي، ومعتقدات ابن تيمية الأكثر سلفية وتشددًا، وتبنى السلفي الوهابي عبدالمجيد الزنداني قضية زيادة الإيمان داعيًا إلى مؤتمر لذلك.

الدعوة للهوية الإيمانية في السلوك والممارسة تتخذ طابع الإرغام والإكراه، و(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). [البقرة: 56]. ولا يعطي الاعتبار للهداية والإقناع: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). [ِالنحل:125].

خطيئة السلفية والقطبية وما تناسل منهما هو الاعتقاد أن المجتمعات الإسلامية كافرة، وأن رسالتهم نشر الدين كما بدأ أول مرة، والاعتقاد أن العقيدة أو الهوية هي المواطنة.. لقد قاتل عبدالله عزام في أفغانستان، ووطنه الفلسطيني محتل.

الدولة في أزهي عصور الإسلام كان الطابع الدنيوي المدني هو الأصل. الخلافة العثمانية، ومفردات الإسلام السياسي الكاثرة منذ البناء، والتيارات السلفية سنية كانت أو شيعية هي من يفرض هذا النزوع، ومن هنا تأييد الإخوان المسلمين ولاية الفقيه.

ينسب للخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز القول بأنه: لم يختلف المسلمون على ربهم أو نبيهم، ولم يقتتلوا على صوم أو صلاة، وإنما اقتتلوا من حول المال، والسلطان.

 القاعدة الدينية التي لم يسفك دم في الإسلام كما سفك عليها هي الإمامة، كما يقول الشهرستاني.

يقول الإمام البغوي في تفسيره “معالم التنزيل” تفسيرًا لقوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). [هود:117]، “أي لا يهلكهم بشركهم، وأهلها مصلحون فيما بينهم يتعاطون الإنصاف، ولا يظلم بعضهم بعضًا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا”.

كما أن خراب الحضارات والدول من الظلم.

 أجمع الإمامان جعفر الصادق، وأحمد بن تيمية على أن الدولة الكافرة تبقى مع العدل، ولا تبقى الدولة المسلمة مع الظلم، وعظات التاريخ، وتجارب الأمم والشعوب تؤكد ذلك؛ فحق الله مبني على المسامحة، بينما حق الناس مبني على المشاححة. 

القرآن الكريم يسمي الشرك ظلمًا: (إن الشرك لظلم عظيم). [لقمان: 13].

خطر المدونة في الخلط بين الهداية الدينية والموعظة الحسنة، ورؤية حزب أو جماعة، وبين القوانين واللوائح الداخلية التي هي شأن بشري يصوغها مختصون ودارسون، وهي قابلة للاجتهاد وتفسح مساحة للخطأ والصواب الذين لا يخلو منهما البشر، فأهل الإدارة ينطبق عليهم قول المصطفى للمزارعين المؤبرين: أنتم أعلم بشؤون دنياكم.

قصر الشعب اليمني على ما يراه أصحاب الهوية، وإرغام الجميع على رأيهم وقراءتهم ليس موفقًا: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين. (الآية)، وهو أيضًا ما لا يتوافق مع سنن الحياة.

الآيات القرآنية خطابها عام وليس محصورًا بزمان أو مكان أو شخص أو أشخاص أو جهة أو جماعة، والعقاب في الآيات غالبًا أخروي، أما القوانين والدساتير واللوائح البشرية فمحددة ومحدودة وتختص بمخاطبين محددين وتعريفها جامع مانع، كما يقول المناطقة والأصوليون الخطاب القرآني رسالي يتوخى الهداية والرحمة وليس الجزاء والعقاب، والعقاب غالبًا أخروي، أما القوانين واللوائح فالجزاء محدد ومتراتب التوجيه لفت النظر ثم التدرج في الأجزاء وتمثل القوانين المقيدة والإجراءات الجزائية محل برم الموظفين وضيقهم فلا ينبغي إحلال الآيات القرآنية أو تحويلها إلى خطاب عقابي أو محل خلاف أو خصومة، فالخلاف بين كبار المسؤولين والموظفين تتجلى في القيود والإجراءات والمنح والمنع، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. الآية، وثالثة الأثافي التعهد بمدونة السلوك يلزم الحاكم المحكومين بما يمليه عليهم، ولا يلزم نفسه بتوفير الراتب، وليس ملزمًا بأي شيء إزاء الموظف المذل المهان.

 أخطر ما في المدونة أن قيودها شرط القبول في الوظيفة العامة وشرط أيضًا للبقاء فيها، والأشد ضررًا وخطورة إعطاء الهوية الإيمانية معنى الوطن، فالعقيدة هي الوطن لدى أولي الإسلام السياسي سنيًّا كان أو شيعيًّا. 

أن تنزل الهوية الإيمانية ومدونة السلوك في زمن الحرب ولحظة تفكك الكيان اليمني وتمزق النسيج المجتمعي فاليمن ليست بخير.

*نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

*نقلا عن موقع اليمني - الأميركي