مختار الدبابي

مختار الدبابي

تابعنى على

الخليج يوحّد صفوفه في مواجهة إيران ما بعد خامنئي

Sunday 01 March 2026 الساعة 11:41 pm

أظهر الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن دول الخليج، مهما حصلت بينها من تباينات، فإن ما يجمعها يظل أكثر وزنًا وتأثيرًا من أي خلاف عابر حول تفصيل من تفاصيل السياسة الإقليمية. ويمكن فهم وزن هذا الاتصال وإظهار التضامن الخليجي في التعاطي مع إيران ما بعد المرشد علي خامنئي. 

 حين قررت إيران الانتقام من التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي لم تجد من حل سوى مهاجمة دول الخليج كلها، وليس دولة بعينها، وهو ما يظهر أن النظام الإيراني لم يفرّق خلال 47 عامًا من الثورة بين من ساعده خلال مرحلة العقوبات الأميركية الطويلة على كسر الحصار وإطعام شعبه، وبين من فتح معه قنوات الحوار في السنوات الأخيرة واعترف له بدوره المتنامي في الإقليم من أجل الحصول منه على تعهدات بلجم أذرعه، وخاصة الحوثيين الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من اليمن. 

إيران تنظر بعين واحدة إلى دول الخليج، وتراها مجتمعة خصمًا إقليميّا، وهو ما يفسر، مثلًا، أن أول قصف على أراضي دولة خليجية في يونيو من العام الماضي، بعد ضربات أميركية وإسرائيلية، استهدف قطر، التي لم تألُ جهدًا في إظهار صداقتها لطهران، وفتحت قنواتها، وخاصة الجزيرة، للمتحدثين باسم الحرس الثوري ومحللين موالين للنظام، وآخرين يعملون لصالح ما يسمى بـ”محور المقاومة” الذي يخدم أجندة إيران. فمن الصعب أن تجد قناة قدمت خدمات لصالح الإيرانيين وحلفائهم أو عرّفت بالأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصرالله أكثر من قناة الجزيرة. 

وبالمنطق، يفترض أن يستثني الحرس الثوري قطر في عملياته الانتقامية، لكن الذي يحصل دائمًا أن قطر تكون على رأس قائمة الهجمات الإيرانية بزعم أن القصف لا يستهدف القطريين، وإنما الوجود الأميركي في قطر. فهل التفجيرات في الدوحة ضد قاعدة العديد أم حركة استعراضية للإيحاء بالقوة وإرضاء التيار المتشدد الذي يعتقد أن إيران يجب أن ترد الفعل ولا تسلّم بالهزيمة؟ المهم رد الفعل ولو في المكان الخطأ، حتى لو وسع رد الفعل الهوة بين طهران والعمق الإقليمي للبلد. 

وما جرى من استهداف في قطر جرى أيضًا في عواصم ومدن خليجية أخرى بزعم استهداف قواعد أميركية، مع أن الكثير من الضربات سقطت في أماكن بعيدة عن تلك القواعد التي تم إفراغها من الوجود الأميركي قبل فترة في سياق الاحتياط والتحسب لردة فعل إيران. 

 ومع بدء الضربات على الإمارات وقطر والبحرين والكويت، وقبل استهداف الأراضي السعودية، أدانت المملكة في بيان الهجمات الإيرانية على دول الجوار، وأعلنت “تضامنها الكامل ووقوفها إلى جانب الدول الشقيقة، ووضع كافة إمكاناتها لمساندتها في كل ما تتخذه من إجراءات”، محذرة من “العواقب الوخيمة لاستمرار انتهاك سيادة الدول ومبادئ القانون الدولي”. 

وكشف هذا الرد السعودي التلقائي، ثم اتصال ولي العهد السعودي برئيس دولة الإمارات، أن دول الخليج تؤمن بأن الأمن الإقليمي وحدة لا تتجزأ، وأن استهداف بلد بعينه هو استهداف لبقية الدول، بقطع النظر عن ظروف الاستهداف. لكن الأهم في هذا كله هو تأكيد أن إيران خصم إقليمي لدول الخليج، ولا يمكن بناء الثقة معها بقطع النظر عن الظروف التي تمر بها، وأن ما كانت تبديه من تقارب مع دولة على حساب دولة أخرى هو مناورة مؤقتة إلى أن تستوي ظروفها وتعيد تكرار أسلوب التعالي والاستهانة بأمن الخليجيين. 

وستكون وحدة الخليج مهمة في هذه اللحظة التاريخية، بعد مقتل خامنئي، الذي من شأنه أن يفقد الإيرانيين العقل السياسي الوازن الذي يميز بين المصلحة والاستهتار. وبدلًا من الرد على أميركا وإسرائيل واستهداف مصالحهما المباشرة، كما يفترض في الرد على الاستهداف الواسع الذي أفضى إلى مقتل قادة الصف الأول في الدولة، فإن الإيرانيين يستعيدون روح الانتقام المذهبي والطائفي من أروقة التاريخ ضد محيطهم السني، ويعمدون الآن إلى إطلاق الصواريخ ويتعمدون تخريب مؤسسات ومنشآت مدنية خالصة لا علاقة لها بأي بعد حربي، ولا وجود أجنبيّا فيها، لا من قريب ولا من بعيد. 

سيكتفي الخليجيون بتقليص الخسائر من خلال استعمال منظومات الدفاع لإسقاط الصواريخ، ويتحملون الخسائر لامتصاص الهوجة الإيرانية العبثية. وقد تكون المرحلة القادمة معقدة مع اختيار مجموعة مؤقتة لقيادة إيران وملء الفراغ الذي خلّفه مقتل خامنئي وأغلب قيادات الصف الأول، ما يتطلب تنسيقًا خليجيّا مستمرًا وتخطيطا لما بعد العاصفة ومراجعة حالة الانفتاح على إيران والنظر إليها كشريك، وبناء إستراتيجيات مستقبلية على الحوار معها كما فعلت السعودية في السنتين الماضيتين. 

ستكون المرحلة القادمة دقيقة بالنسبة إلى الخليجيين، لأن من المرجح أن تصعد إلى الواجهة وجوه الصف الثاني الأكثر تشددًا، التي ستعيد إنتاج الخطاب العدائي نفسه لدول الخليج كما ساد في سنوات الثمانينات والتسعينات؛ خطابًا طائفيّا تحريضيّا يعلّق فشل السياسات الإيرانية الداخلية والخارجية على دول الخليج، ومحاولة إعادة تحريك الورقة الطائفية بهدف الانتقام، كما حصل في السابق في البحرين والسعودية، بدلًا من استيعاب الضربة الحالية وفهم مغزاها الأبعد، وهو أن سياسات تصدير الثورة وغرس أذرع طائفية وتبني المظلومية ونظرية المؤامرة خيار فاشل ويؤدي بإيران بالضرورة إلى ما وصلت إليه. 

ومن المنتظر أن تشهد إيران صراعًا على السلطة بعد مقتل المرشد، وفي غياب أي شخصية وفاقية بالمنزلة الدينية ذاتها التي يحظى بها خامنئي، وخاصة بمشروعية تاريخية مستمدة من وجودها في الصف الأول لثورة الخميني. والأهم هو رضا الحرس الثوري عنها. ومن شأن هذا الوضع أن يولد صراعًا للأجنحة داخل السلطة في إيران بين ما تبقى من قيادات الصف الأول للحرس الثوري، الذي يملك مفاتيح الحكم وتشابكاته، وخاصة الثروة الكبيرة التي تركها خامنئي، وبين الوجوه المدنية من عائلة المرشد، ومن تيار رجال الدين المتشددين، ومن الإصلاحيين الذين قد لا يجدون فرصة أهم من توظيف حالة الفراغ لصالحهم بتحريك الشارع. 

وما قد يشترك فيه جميع المتصارعين على كرسي خامنئي هو تصدير الأزمة إلى الخارج واستدعاء نظرية المؤامرة بحدة أكبر، وستكون دول الخليج الجهة الأكثر استهدافًا بالحملات والتصريحات لأن عداءها لا يكلف الكثير. 

ولا شك أن انكشاف العداء الإيراني لدول الخليج سيجعل قادة مجلس التعاون يعيدون حساباتهم في العلاقة معها على أكثر من مستوى، أهمها الكف عن النظر إليها كحليف إقليمي يمكن للحوار أن يغيره، والرهان على عامل الوقت من أجل حصول “المعتدلين” على فرصة للحكم وإعادة الثقة إلى العلاقات الخليجية – الإيرانية. وستفرز هذه القناعة توجهًا براغماتيّا لا يحوّل العداء لإيران إلى خطاب يومي، وفي الوقت نفسه يقوم على تحجيم التعاملات معها إلى الحد الأدنى، والقطع مع إدارة الملف بشكل فردي، فلا تعمل دولة على التقرب من إيران للإيحاء بأن بلدًا خليجيّا آخر مناوئ لها، أو تتناسى ما يجري حاليًا والنظر إليه كردة فعل ظرفية ناجمة عن ضغوط والبحث له عن مبررات. 

ستكون دول الخليج أمام وضع يفرض عليها أن تتحرك بشكل جماعي لمعالجة العلاقة مع إيران على المدييْن المتوسط والبعيد بعيدًا عن الشعارات والمزايدات. هذا من جانب، ومن جانب آخر تقليص هامش الرهان على أن الولايات المتحدة تأخذ أمن الخليج في حساباتها، وأنها يمكن أن تفعّل الاتفاقيات الدفاعية بسرعة، وهو ما لم يحصل في اليومين الأخيرين، وقد لا يحصل في المستقبل. 

رمزيّا، يمكن أن يكون اتصال ولي العهد السعودي برئيس دولة الإمارات مفتاحًا لتغيير أدوات التعامل الخليجي مع التوترات الإقليمية. فالخلاف البيني يمكن تطويقه وتصريفه عبر قنوات أو وساطات خليجية، على ألا يكون له أي وزن أو تأثير في المقاربة الخليجية تجاه الأزمات الإقليمية. المصير الخليجي مشترك، ومن المهم أن ينتج أدوات مستجيبة له، لا متعارضة معه. 

* صحيفة العرب اللندنية