خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله

تابعنى على

حرب متقطعة… في ظلّ جنون إيراني

منذ ساعة و 6 دقائق

عادت الحرب الأميركيّة – الإيرانية بطريقة مختلفة، أي بشكل هجمات متقطعة. ليس في نية دونالد ترامب خوض حرب شاملة، لكنه لا يستطيع عدم الردّ، لأسباب داخليّة، على الهجمات الإيرانيّة التي تستهدف سفنا وناقلات في مضيق هرمز.

في العمق، لا بد من التساؤل ما الذي جعل إيران تخرق بشكل مفضوح مذكرة التفاهم التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة عبر المفاوضات التي جرت في سويسرا مع وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس؟

لا شكّ أن أسبابا كثيرة يمكن أن تفسّر التصرف الإيراني الغريب القريب من الجنون. جعل ذلك دونالد ترامب يذهب إلى حد وصف المسؤولين الإيرانيين بـ”المرضى” و”الكذابين” الذين لا يمكن التعامل معهم. بل راح إلى أبعد من ذلك في استخدام عبارات تكشف خيبة كبيرة من المسؤولين الإيرانيين قبل أن يعلن عن نهاية العمل بمذكّرة التفاهم.

 لكنّ التفسير الأهمّ للجنون الإيراني يكمن في سعي دول المنطقة إلى البحث عن طرق لتجاوز مضيق هرمز. يكون ذلك إن عبر البحر الأحمر أو عبر البحر المتوسط، مع ما يستدعيه الأمر من تفاهمات مع الأردن وسوريا أو مع العراق وتركيا، وفي مرحلة لاحقة مع اليمن. لا يعبّر عن الجنون الإيراني أكثر من الاعتداءات التي تتعرّض لها دول الخليج والأردن وكأن “الجمهوريّة الإسلاميّة” في حرب مع هذه الدول وليس مع أميركا وإسرائيل.

يبدو الهدف الواضح بلوغ النفط والغاز إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم من دون أن تكون الدول الأوروبيّة، على وجه الخصوص، تحت رحمة إيران. كلّ ما في الأمر أنّ إيران شعرت أن الوقت، الذي راهنت عليه، لا يخدم إستراتجيتها وأن العمل جار من أجل الاستغناء عن مضيق هرمز الذي تعتبر انّه ورقتها الأساسيّة في المواجهة مع الولايات المتحدة وفي الضغط على الاقتصاد الدولي…

جاء بحث دول الخليج عن مسارات جديدة لخطوط أنابيب النفط والغاز ليحرم “الجمهوريّة الإسلاميّة” من ورقتها الرابحة التي جعلت الإدارة الأميركيّة توقع مذكرة التفاهم مع إيران، غير مدركة أنّها تتعامل مع نظام من نوع مختلف لا علاقة له بأي قيم مرتبطة بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول الأخرى. كانت السياسة الوحيدة التي يمكن ربط النظام الإيراني بها منذ قيامه في العام 1979، هي سياسة اسمها الابتزاز.

في كلّ الأحوال يعكس لجوء الولايات المتحدة للضربات العسكريّة، ردّا على استهداف “الحرس الثوري” لناقلات، بينها نقالة قطريّة وأخرى سعوديّة كانت تعبر مضيق هرمز، اكتشافا متأخرا كثيرا للرئيس الأميركي لطبيعة المسؤولين الإيرانيين وللنظام القائم نفسه. أن يكتشف ترامب النظام الإيراني متأخرا يبقى أفضل من أن لا يكتشفه أبدا!

لم تكن من حاجة إلى كلّ هذا الوقت كي يدرك دونالد ترامب مع من يتعامل وأنّ النظام الإيراني لم يتغيّر يوما. لم يحترم هذا النظام أي قانون دولي أو أي قيم إنسانيّة في يوم من الأيّام. تؤكد ذلك مأساة جنوب لبنان التي تسببت بها “الجمهوريّة الإسلاميّة”. كلّ ما رآه الإيرانيون في مذكرة التفاهم مع الإدارة الأميركيّة فرصة لكسب الوقت. لم يحترم النظام الإيراني الفقرة الأساسيّة في مذكرة التفاهم، وهي الفقرة التي تتمثل، بالمفهوم الأميركي، في المحافظة على حريّة الملاحة في مضيق هرمز.

كان بقاء هرمز مفتوحا مسألة محوريّة بالنسبة إلى ترامب نفسه الذي رأى في هبوط أسعار النفط إنجازا كبيرا يستطيع تسويقه في الداخل الأميركي. كان ترامب في حاجة إلى هذا الإنجاز الذي يخدمه في تعاطيه مع المواطن الأميركي العادي. لذلك جنّ جنونه عندما عاد “الحرس الثوري” إلى عرقلة الملاحة في مضيق هرمز. قبل ذلك اكتشفت إيران مدى جدّية دول المنطقة في العمل على الاستغناء عن مضيق هرمز. هذا ما يفسّر عودة التركيز الإيراني على اليمن والحوثيين الذين عادوا إلى توجيه تهديدات إلى المملكة العربيّة السعودية بعدما التزموا طويلا نوعا من التهدئة معها.

بالنسبة إلى إيران، يستطيع الحوثيون لعب دور مهمّ في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومنع مرور ناقلات النفط فيه. ليس صدفة خرق “الجمهوريّة الإسلاميّة” الحظر المفروض دوليا على مطار صنعاء لتأكيد أن الحوثيين ورقة في تصرّفها وأن ليس في استطاعة هؤلاء الخروج عن عصا الطاعة الإيرانيّة.

تبقى نقطة في غاية الأهمّية. ليس دونالد ترامب وحده الذي أعاد اكتشاف الإيرانيين والنظام القائم في طهران. هناك باكستان التي تبيّن بكلّ بساطة أن وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران لا تفيد في شيء. كل ما تستطيع باكستان عمله هو أن تكون ورقة إيرانيّة لا أكثر. استفادت “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى ابعد حدود من باكستان. لعبت باكستان دورا في جعل إدارة ترامب تعتقد أنّ في الإمكان عقد صفقة متوازنة مع إيران تقوم على المحافظة على حريّة الملاحة في مضيق هرمز.

ارتدت لعبة كسب الوقت على إيران. ترفض دول المنطقة قبل غيرها أن تكون رهينة مضيق هرمز. هذا ما يفسّر الجنون الإيراني الذي لم يأخذ في الاعتبار خروج دونالد ترامب عن طوره ولجوءه إلى منطق القوّة مجددا.

هل عادت الحرب؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي من الباكر الإجابة عنه. الأكيد أن حرمان “الجمهوريّة الإسلاميّة” من ورقة مضيق هرمز والعمل على تجاوز المضيق جعلاها تجازف بمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. ما قيمة هذه المذكّرة عندما لا تكون لدى إيران ورقة اسمها هرمز تضغط بها على العالم وتتحكّم بأسعار النفط والغاز فيه؟

كان المضيق لعبة إيرانيّة مكنتها من التوصّل إلى مذكّرة التفاهم التي قدمت فيها الولايات المتحدة تنازلات كبيرة، شملت ربط إيران بالحل في لبنان.

يبدو أن تجاوز المضيق، الذي تعمل عليه دول المنطقة، يشبه حرمان طفل من لعبته المفضّلة. ليس تصرّف “الحرس الثوري” سوى تصرّف طفل جرى تشليحه لعبته هذه!

* صحيفة العرب اللندنية