مكانة الدول في الاقتصاد لا تُقاس بما تملكه من ثروات طبيعية فقط، ولا بحجم ناتجها المحلي أو احتياطاتها المالية، بل بعملة أخرى أكثر ندرة: الثقة. إنها الأصل غير المرئي الذي لا يظهر في الميزانيات العامة، لكنه يحدد اتجاه الاستثمارات، ومسار التكنولوجيا، وشكل التحالفات الاقتصادية. فحين تمنح قوة اقتصادية كبرى دولةً ما امتيازا استثنائيّا في الوصول إلى أكثر التقنيات حساسية، فإنها لا تصدر قرارا تنظيميا فحسب، بل تعلن حكما سياسيا واقتصاديا مفاده أن هذه الدولة أصبحت جزءا من دائرة الشركاء الذين يمكن الاعتماد عليهم.
من هذه الزاوية، يكتسب القرار الأميركي برفع تصنيف دولة الإمارات إلى مجموعة A:5 في نظام ضوابط التصدير دلالة تتجاوز بكثير الجانب الإجرائي. فالقرار لا يُختصر في تسهيل تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي أو الأقمار الصناعية أو التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، بل يعكس تحوّلاً في موقع الإمارات داخل الخريطة التكنولوجية والإستراتيجية التي تعيد الولايات المتحدة رسمها في عصر المنافسة على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ليست هذه المرة الأولى التي تنسج فيها أبوظبي وواشنطن شراكة وثيقة، لكنها ربما تكون من أكثر المرات دلالة. فمنذ سنوات، انتقلت العلاقة بين البلدين من التعاون الأمني التقليدي إلى فضاء أكثر تعقيدا، حيث تتداخل الصناعات الدفاعية مع الحوسبة المتقدمة، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من الأمن القومي، وتتحول البيانات إلى مورد إستراتيجي لا يقل أهمية عن النفط. وفي هذا السياق، لا تبدو الإمارات مجرد مستورد للتكنولوجيا، بل شريكا تسعى الولايات المتحدة إلى دمجه في منظومة الابتكار الغربية.
وهنا تكمن الأهمية الحقيقية للقرار. فأن تصبح الإمارات أول دولة عربية تنضم إلى هذه الفئة، بعد خروجها من مجموعات كانت تفرض عليها قيودا أشد، يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إليها فقط باعتبارها حليفا أمنيا، بل باعتبارها بيئة تنظيمية ومؤسسية يمكن الوثوق بها في إدارة تكنولوجيات تمثل اليوم قلب المنافسة الدولية.
هذا التحول يعكس أيضا تغيرا أعمق في طبيعة القوة الاقتصادية. ففي العقود الماضية كان النفط هو اللغة التي تحدد مكانة دول الخليج في الاقتصاد العالمي. أما اليوم، فإن مراكز البيانات، والحوسبة الفائقة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، أصبحت تشكل البنية التحتية لاقتصاد القرن الحادي والعشرين. ومن ينجح في أن يكون جزءا من هذه المنظومة، لا يكتسب ميزة تجارية فحسب، بل يحصل على موقع داخل شبكة إنتاج المعرفة نفسها.
ولهذا، فإن قراءة القرار الأميركي بوصفه مكافأة سياسية ستكون قراءة ناقصة. فهو أقرب إلى استثمار طويل الأجل في شريك ترى فيه واشنطن قدرة على المساهمة في بناء منظومة تكنولوجية آمنة وموثوقة، في مرحلة تتصاعد فيها المنافسة العالمية على التقنيات المتقدمة.
لكن الاعتراف الدولي، مهما بلغت أهميته، ليس خط النهاية. فالثقة في عالم التكنولوجيا لا تُمنح مرة واحدة، بل تُختبر باستمرار. والرهان الحقيقي لم يعد يتمثل في استيراد أحدث التقنيات، بل في القدرة على توطينها، وتطويرها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
الانعكاس الأول لهذا القرار يتمثل في تقليص العوائق التنظيمية أمام انتقال التقنيات المتقدمة إلى الإمارات. فكلما انخفضت القيود الإجرائية، ارتفعت قدرة الشركات العالمية على تأسيس مراكز بحث وتطوير، وتوسيع شراكاتها الصناعية، ونقل جزء من سلاسل القيمة إلى الأسواق التي تتمتع ببيئة تنظيمية مستقرة. وفي اقتصاد المعرفة، لا تقتصر المنافسة على استقطاب الاستثمارات المالية، بل تشمل أيضا استقطاب العلماء، ومراكز الابتكار، وشركات البرمجيات، التي تبحث عن بيئات تجمع بين الكفاءة والانفتاح والاستقرار.
وهنا تبرز أهمية المسار الذي اختارته الإمارات خلال العقد الأخير. فالاستثمار في البنية الرقمية، وتطوير التشريعات الخاصة بالاقتصاد الجديد، وإنشاء مناطق حرة متخصصة، وتبني إستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لم يكن مجرد تحديث إداري، بل محاولة لإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي. لذلك، فإن القرار الأميركي لا يصنع هذا التحول بقدر ما يعترف به ويمنحه زخما إضافيا.
ويكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة في مرحلة تتجه فيها الشركات العالمية إلى إعادة توزيع استثماراتها بعيدا عن الاعتماد المفرط على مراكز إنتاج محددة. فالتوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والقيود المتزايدة على تصدير التكنولوجيا، دفعت الكثير من الشركات إلى البحث عن شركاء يتمتعون بدرجة عالية من الموثوقية القانونية والسياسية. والإمارات، بما تمتلكه من بنية تحتية متطورة، وموقع جغرافي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، وسياسات اقتصادية منفتحة، تبدو مرشحة للاستفادة من هذا التحول.
لكن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن في حجم التكنولوجيا التي ستصل إلى الإمارات، بل في قدرتها على تحويل هذه التكنولوجيا إلى قاعدة إنتاج معرفي. فالتاريخ الاقتصادي يبين أن الدول التي حققت القفزات الكبرى لم تكن تلك التي استوردت التقنيات فحسب، بل التي نجحت في بناء منظومات تعليمية وبحثية وصناعية قادرة على تطويرها وإنتاجها.
فالتكنولوجيا ليست آلات تُشترى، بل منظومة متكاملة تبدأ بالمعرفة، وتمر بالتشريع، وتنتهي بالابتكار. وكلما نجحت الإمارات في ربط هذه العناصر ببعضها البعض، تحولت الثقة الدولية من ميزة سياسية إلى قوة اقتصادية دائمة.
المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات لن تتباطأ في المستقبل المنظور، بل ستزداد حدة. وهذا يعني أن الإمارات لن تنافس فقط على استقطاب الاستثمارات، بل أيضا على استقطاب العقول، وتطوير الكفاءات الوطنية، وإنتاج المعرفة محليا.
في النهاية، قد يبدو قرار رفع التصنيف حدثا تقنيا في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس تحوّلاً أوسع في طريقة تموضع الإمارات داخل النظام الاقتصادي الدولي. لقد انتقلت الدولة، خلال سنوات قليلة، من كونها مركزا إقليميا للتجارة والخدمات إلى السعي لأن تصبح مركزا لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة. وهذا انتقال أكثر تعقيدا من بناء الموانئ أو المناطق الحرة، لأنه يقوم على بناء الثقة والمؤسسات ورأس المال البشري في آن واحد.
بالنسبة إلى الإمارات، فإن الفرصة التي يتيحها هذا التصنيف تتجاوز حدود التكنولوجيا والتجارة. إنها فرصة لترسيخ نموذج عربي يبرهن أن الاستثمار في المؤسسات، والانفتاح على المعرفة، والالتزام بالحوكمة الرشيدة، يمكن أن يصبح طريقا لاكتساب النفوذ في القرن الحادي والعشرين. فالعالم لا يثق بالدول لأنها صغيرة أو كبيرة، غنية أو فقيرة، بل يثق بها لأنها قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وصيانة شراكاتها، وتحويل الطموح إلى سياسات قابلة للاستمرار. وفي هذا يكمن التحدي الحقيقي، كما تكمن الفرصة الأكبر.
* صحيفة العرب اللندنية
>
