الموجز

أمين الوائليأمين الوائلي

"نهاية التاريخ" بين هيجل وفوكوياما ومروان الغفوري!!

مقالات

2020-03-09 09:52:19

ببساطة وموضوعية، الآراء تبقى آراء ملك وحق أصحابها، اتفقنا أو اختلفنا. ليست في ذاتها تمتلك قوة الإلزام. وهي في هذا المستوى ليست واجبة أو حتمية الصواب مطلقاً. آراء.. هذا حدها.

لكن، وفي مستوى آخر من الرؤية، فإنّ التنظير عملية بنائية ترويجية واستهدافية، تتحرى الجمهور وتستخدم سلطة أو سطوة النفوذ المكتسب بالفكرة والطرح والتكرار خلال مراحل وسنوات من التقلبات، في عملية هدم وإرساء متتالية لأفكار وتصورات مرحلية باعتبارها الصواب والحق.

التنظير للحوثيين والتأصيل النظري والفكري، أو محاولة فعل ذلك، هو اشتغال واعٍ على فكرة وهدف محدد، ولم يعد فقط إعطاء آراء أو مشاركتها، بنسف مقولات سابقة وتسخيفها والتمهيد والتمكين للنقيض.

الحيل النظرية والإنشائية التي استخدمت عبر التاريخ وإلى اليوم للإيقاع بالجمهور والتغرير أو التضليل أو الإقناع، لا حصر لها، ولا تختلف عما يستخدم اليوم سواءً من أفراد أو من مؤسسات وجهات ومطابخ واستراتيجيات ودول.

ومع أنها تبقى آراء أيضاً لأصحابها، لكنها تقدم بصيغة التنظير الأشبه بعمل المشرع والمقونن منه كصاحب رأي.

ومن الخداع والاحتيال بمكان جرجرة الجمهور، من مستنقع لآخر ومن فكرة لنقيضها ومن يوتيوبيا ساهمة متوهمة إلى ضدها، في خلال سنوات وجيزة، كما لو كان المتحدث أو الكاتب او صاحب الرأي مطمئن إلى تبعية الناس دون حقهم في التوقف والسؤال حيال التناقضات والتضاد المزدحم في سيرة وجيزة.

لدينا نوعية من المثقفين يبزون الديكتاتور والمستبد، استعلاء واستصغارا للمتلقين أو للجمهور بوصفهم جماعة تمتلك حق التصفيق والموافقة والاقتناع سلفاً.

شخصياً أميز تماماً بين حيوية جريان نهر الفكرة والآراء وتجدد المياه خلال المجرى نفسه، وبين التنظير الواعي الذي يخدم فكرة محددة ومشروعاً متبلوراً.

حسناً، من التنظير للثورة التي هدت دولة الثورة اليمنية، إلى التنظير لجمهورية ما.. تمت لجمهورية سبتمبر، إلى التنظير لهد الثورة والجمهورية والتسويق لعصر العنصرية السلالية، اعتماداً على مقولة واهية جداً ومضللة تجعل من الباطل بطولة تغني عن المشروعية وقيم الحق والعدالة والمساواة وتوطن لها كحتمية تاريخية.

ألمح بوضوح في الثنايا والأثناء صورة الديكتاتور (الأنيق والمخاتل بحرفية) الذي يتصرف حيال الجمهور كقطيع.

بلى هناك تراكم في تضليل الجمهور وإصرار وقصدية.

لحظة ثقيلة للغاية على الحياة، التنظير لقاتل كبطل تاريخي ورمز ملحمي في السيرة الشعبية.

أن ينبري حداثي متعلمن ومتعلم لتأطير صورة أبو علي الحاكم (..) كبطل تاريخي لليمن... اليمن الذي سينتهي به المطاف مجرد صدى لصرخة موت وبندقية قاتلة.

من أسف أن في النخبة من يهد جمهورية الشعب كصيرورة تاريخية ليوطن إمارة وإمامة العصابة الكهنوتية كمحطة متقدمة في الصيرورة التاريخية!

الحوثية نهاية التاريخ في اليمن! هذه أبشع وأرخص نسخة من نهايات التاريخ التي قرأتها كدارس ومطلع ومتتبع، من جمهورية أفلاطون وحتى هراء فوكوياما.

ما انتهى هو وهم استقلالية المفكر المنظر وتمايزه عن مشروع مخدوم بأكثر من طريقة ومنبر ومايك ومنصة.

فرانسيس فوكوياما، أمريكي ياباني، متطفل على الفلسفة وفلسفة التاريخ تحديداً، أخذته خلال العقد الأخير من القرن الماضي سكرة أو نشوة انهيار الاتحاد السوفييتي ودولة النظرية الاشتراكية، وأراد أن يجلس على مقعد المنظر التاريخي والفيلسوف الأخير، فابتدع "نهاية التاريخ" بالدولة الرأسمالية والسوق والشركات العابرة (عقيدة العولمة فيما بعد).

لبعض الوقت قرأ الناس كتابه قبل أن يطويه النسيان تماماً، كمتطفل فاشل على فتات مائدة العظيم هيجل ومن قبله كانط ومن بعده انجلز وماركس.

لكن حتى هيجل العظيم انتهى التاريخ عنده بالدولة البروسية (الملكية الألمانية الفخمة في عهده).

وهي تؤخذ عليه من الزلات والهفوات الكبيرة لفيلسوف كبير بحجمه.

طوى التاريخ الدولة البروسية ومضى هادراً متقدماً.

وانتهت الشيوعية ولم ينته التاريخ ولا اكتسحت الدولة الاشتراكية العالم كمحطة أخيرة وفقاً لتنظير العظيم ماركس.

كطالب فلسفة بحد أدنى من الإلمام بالمناهج الفلسفية والنظريات الكبرى وحيل المنطق واحتيالات الأدباء الذين تشبهوا بالمناطقة والمتفلسفة، يمكنني تمييز النوعية الأخيرة والطارئة من التنظيرات المشابهة؛ رديئة للغاية، بل الأردأ على الإطلاق.. خفيفة وتبتذل العقل والفكرة برخص مثير للشفقة والسخرية معاً.

-->