الموجز

حكيم الجبليحكيم الجبلي

اللامعيارية المُفزِعة

مقالات

2020-04-01 12:22:40

هل "يستطيع" شخص (أو مجموعة) القيام بهذا الفعل أو ذاك عندما يريد (أو يريدون) القيام به، أو عندما يضطر (أو يضطرون) إلى القيام به؟

إن سؤالاً كهذا يختلف في مغزاه ووظيفته عن سؤال آخر: هل "يحق" لـ شخص (أو مجموعة) القيام بهذا الفعل أو ذاك، سواءً في حال كان يريد القيام به أو في حال كان مضطراً للقيام به؟

السؤال الأول يهتم بالاستطاعة/ القدرة، بينما يهتم السؤال الثاني بقانونية الفعل ومشروعيته، مطابقته للحق، وهذا الاهتمام يقوم على افتراض وجود قاعدة معيارية عليا يتعين بمقتضاها ما هو قانوني ومشروع وما ليس قانونياً ولا مشروعاً. وإن محاكمة فعل من الأفعال بالإحالة إلى قاعدة معيارية، لا تكون ذات قيمة إلا إذا كان الفعل قد صدر عن شخص أو مجموعة تقع تصرفاتهم في دائرة منضبطة بهذه القاعدة، لكي يترتب على إدانتهم بانتهاك القاعدة أمراً رادعاً يجعل هذا الانتهاك مبعثاً للحرج يرقى إلى الفضيحة. بمعنى أن يترتب على الإدانة جزاء من نوع ما.

غير أن كل قاعدة معيارية لا تفرض احترامها طوعياً وباستمرار وفي كل المجتمعات على حد سواء. من هنا تحدث الثورات والتمردات والحروب والشرطة والسجون وكافة أشكال الضبط والقمع. الثورات الناجحة هي الأفعال التي تمكنت -بالعنف غالباً- من إسقاط قاعدة معيارية قائمة وتمكنت من فرض قاعدة بديلة بقوة الأمر الواقع.

بتحلّل دولة ما، لن يكون هناك إلا "السلطة المعيارية لما هو واقعي"، على حد تعبير كارل شميث. سقوط "دولة" هو سقوط معيار سياسي/ قانوني، سقوط سلطة المعيار "الموحِّد"، أو غيابه = الفوضى =
- تعدّد لا نهائي للمرجعيات والمقاييس والشرائع.
- تعدّد لا نهائي للاعتبارات، والمفاهيم، والقيم.
- الحُكْم على الأمور العامة بتحيُّز انطلاقاً من الوضع الشخصي، أو الوضع الجزئي:
لا شيء لا يمكن تبريره عندما تقتضي الحاجة -الخاصة- ذلك.
لا شيء لا يمكن إدانته عندما تقتضي الحاجة -الخاصة- ذلك.
- كل شخص، وكل مجموعة، مدفوع في أعماله بضروراته أو أهوائه وضلالاته الخاصة.

وهكذا عندما تتصارع الشرعيات، تكون علاقات الحرب هي الفاعلة، وفي الحرب "كل واحد حَكَمٌ في قضيّته". في حالة "الفوضى" أيضاً، في حالة "اللا دولة".

ذلك أن "كلّ المجتمعات/ الدول قد بُنيتْ في مواجهة الفوضى. وكلَّما انهارت المشروعيات التي تحجب حالة عدم الاستقرار، أو تعرَّضتْ للتهديد، يضحو الاحتمال الدائم بتحقُّق اللامعيارية المُفزِعة أمراً واقعاً"، (إس، إتش. فرسنيل، عالم اجتماع أمريكي).

-->