سامح فايزسامح فايز

لماذا لا يحارب "داعش" إسرائيل؟

مقالات

2020-07-11 19:58:13

السؤال المتصل بعدم محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي لإسرائيل، يراه البعض ضربة قاضية لمشروع الجماعات "الجهادية"، عند الاستفسار عن سرّ غياب العمليات الإرهابية عن دولة الكيان الصهيوني.

فلماذا لا يحارب داعش إسرائيل ، ويكتفي بقتل مسلمين في دول إسلامية، بحجة تأسيس دولة الإسلام، ويتّهمون الجماعات الجهادية بأنّها مجموعات عميلة لأجهزة أجنبية، مزروعة في المنطقة لتفريق أهلها، وقتل أيّ مشروع للتحديث والتطوير؟

المتابع لنشأة المجموعات الجهادية في مصر وتطورها التاريخي، يكتشف أنّ مسألة قتال العدو القريب لها بعد آخر في تاريخ الجهادية السلفية، وأنّ مسألة قتال العدو البعيد، الذي اعتمدت عليها تنظيم القاعدة جاءت في وقت لاحق، سرعان ما تلاشى مع صعود داعش على سطح المشهد.

قتال العدو القريب أم البعيد؟

أشارت دراسة بعنوان "الجهاديون المصريون: هل نشهد نهاية قريبة لجماعات العنف"، للباحث أحمد بان، إلى أنّ فكرة قتال العدو القريب والبعيد ظهرت في أفكار جماعة الإخوان، مضيفاً: "لكنّ بروز الفكرة لدى المجموعات الجهاية كان مع صالح سرية (الفلسطيني الذي التحق بإخوان الأردن، وعمل موظفاً في جامعة الدول العربية بالقاهرة، وأسّس خلية الفنية العسكرية)؛ حيث كان يعتقد في أولوية قتال العدو القريب".

غير أنّ التنظير لمسألة قتال العدو القريب والبعيد ظهرت بشكل واضح في كتاب "الفريضة الغائبة"، للجهادي محمد عبد السلام فرج.

وأشار إلى ذلك الباحث وعضو الجبهة السلفية، أحمد فريد مولانا، في دراسة بعنوان "الحركات الجهادية المصرية: حدود الدور": "قدّم أطروحة شرعية وفكرية جديدة، عام 1980، في رسالته (الفريضة الغائبة)؛ إذ تناول حكم إقامة الدولة الإسلامية.

وقال إنّ "حكّام عصرنا لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء"، وقارن بينهم وبين حكام التتار في عهد ابن تيمية، مؤكداً وجوب قتالهم، ثم تناول مناهج التغيير لدى الجماعات الإسلامية المختلفة بالنقد.

وقال إنّه لا يمكن التغيير الحقيقي إلا بالقتال، وصكّ الجملة التي تحولت إلى شعار للتيار الجهادي المصري بأنّ "قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد".

جذور المسألة

طبقاً لما ورد في كتاب "دليل الحركات الإسلامية المصرية"، للباحث عبد المنعم المنيب، تأسست جماعة الجهاد المصرية عام 1988؛ قبل ذلك التاريخ، وتحديداً منذ بدايات العام 1966، تكوّنت مجموعات متفرقة تبنت الفكر الجهادي، عقب إعدام سيد قطب، ومن أبرز الأعضاء: إسماعيل طنطاوي، ورفاعي سرور، وأيمن الظواهري، وأمين الدميري، ويحيى هاشم، ونبيل البرعي، ومحمد إسماعيل المقدم، ومحمد عبد الرحيم الشرقاوي.

تبنت المجموعة مبدأ الانقلاب العسكري كوسيلة للتغير، ودفعت بعض عناصرها للالتحاق بالجيش، ونجحت أيضاً في ضمّ عناصر من الجيش المصري، مثل: الرائد عصام القمري.

حدثت بعض الانشقاقات بعد ذلك، نتيجة تبني طرق أخرى للتغيير، فانشق يحيى هاشم، ورفاعي سرور، من مجموعة الإسكندرية؛ لرؤيتهم أنّ الانقلاب العسكري ليس الحلّ الأمثل للتغيير، وأنّ الثورة الشعبية وحرب العصابات هما أفضل وسيلة لتغيير نظام الحكم، ثم انشق محمد إسماعيل المقدم، مؤسساً الدعوة السلفية في الإسكندرية عام 1974، لرؤيته أنّ طلب العلم فقط هو بداية العمل الإسلامي ومنتهاه.

الفريضة الغائبة

في 18 نيسان (أبريل) 1974؛ اشتركت مجموعة مصطفى يسري مع مجموعة الفلسطيني صالح سرية، في محاولة للانقلاب العسكري على النظام الحاكم، بتنفيذ عملية اشتهرت إعلامياً باسم "الفنية العسكرية".

سعى مصطفى يسري بعد خروجه من السجن، وإعدام صالح سرية، إلى قيادة تنظيم الفنية العسكرية، إلا أنّه لم يستمر طويلاً، وتمّ حلّه، وبعد ذلك خرج من التنظيم أحد الأشخاص الذين ساهموا في إعادة تشكيل فكر الجهاد في العالم، عضو تنظيم "الفنية العسكرية" المنحلّ، محمد عبد السلام فرج؛ قدم فرج طرحاً جهادياً جديداً، كان نقلة نوعية للتيار الجهادي على المستوى الفكري والتنظيمي، في رسالته بعنوان "الفريضة الغائبة"، والقائمة على أنّه "لا تغيير حقيقي إلا بالقتال"، وصكّ الجملة التي تحولت شعاراً للتيار الجهادي المصري حتى تاريخ تأسيس قاعدة الجهاد عام 2001: "قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد".

تأثّر فرج بشكل مباشر في أطروحاته الجهادية تلك بنظرية أسس لها عضو جماعة الجهاد حتى عام 1992، عبود الزمر، والذي تقوم نظريته على أنّ الانقلاب العسكري لا بدّ من أن تصحبه تحركات شعبية مؤيدة له.

واعتمد محمد عبد السلام فرج في تنفيذ خطته على محورين، الأول: تكوين مجموعات عسكرية من الأعضاء بالجيش بغرض القيام بانقلاب عسكري، والثاني: إعداد مجموعات مدنية تدعم الانقلاب العسكري لحظة وقوعه.

في تلك الآونة؛ تصاعدت إجراءات الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، ضدّ التيارات المعارضة؛ فعقب عقده لاتفاقية كامب ديفيد، عام 1978، أصدر قراراً باعتقال 1536 شخصية عامة، في أيلول (سبتمبر) 1981، وشملت قرارات الاعتقال عدداً من قيادات المجموعات الجهادية، مما جعل اغتيال السادات من أولوياتهم قبل أن يكرر معهم التجربة الناصرية مع الإخوان، حين ظلوا في السجون قرابة عشرين عاماً.

نجح عبد السلام فرج في استمالة قيادات الجماعة الإسلامية بالصعيد إلى تنظيمه، وربط معظم المجموعات الجهادية بمخططه ، المتمثل في اغتيال السادات، والسيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون، لبثّ بيان يدعو الشعب لتأييد الثورة الوليدة، بالتزامن مع مظاهرات يقودها الجهاديون بالميادين الرئيسة، ولم ينجح من المخطط سوى اغتيال السادات، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، بينما حاولت عناصر الجماعة الإسلامية السيطرة على مدينة أسيوط، يوم 8 تشرين الأول (أكتوبر)، تمهيداً للتحرك منها على بقية المحافظات، ولكنّ المحاولة فشلت.

قاعدة الجهاد

الضربات المتلاحقة لجماعة الجهاد أفقدتها توازنها، وضعفت الموارد، المسألة التي دفعتها للتحالف مع تنظيم القاعدة، عام 1998، تحت راية "الجبهة الإسلامية العالمية"، التحالف الذي تحوّل إلى اندماج كامل، عام 2001، ليصبح اسم التنظيم "قاعدة الجهاد".

تمثلت أهداف "الجبهة الإسلامية العالمية" في شنّ حرب عصابات تستهدف كافة المصالح الأمريكية والإسرائيلية على مستوى العالم.

تمثّلت أهداف "الجبهة الإسلامية العالمية"، في شنّ حرب عصابات تستهدف كافة المصالح الأمريكية والإسرائيلية على مستوى العالم، لإجبار أمريكا على إعادة النظر في سياستها تجاه القضايا العربية والإسلامية.

وبدأ العمل بنظرية قتال العدو البعيد، غير أنّ ذلك التحالف كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فقد عملت الاستخبارات الأمريكية على اعتقال أعضاء جماعة الجهاد من المحطات الأمنة المختلفة حول العالم، وإرسالهم إلى مصر لمحاكمتهم، وحوكموا في القضية المعروفة إعلامياً باسم "العائدون من ألبانيا".

المسألة التي لم تستمر طويلاً مع انشقاق العديد من المنتمين للقاعدة وتأسيسهم لتنظيم جديد، عُرف في البداية باسم تنظيم "التوحيد والجهاد"، والذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي في العراق، والذي تغير اسمه بعد ذلك ليصبح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ثم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، والذي قام بشكل رئيس على نظرية قتال العدو القريب، باعتبار أنّ حكّام العالم الإسلامي كفار، وأنّه لن تقوم قائمة لدولة إسلامية طالما هؤلاء على كراسي الحكم.

* نقلا عن موقع "حفريات"

-->