محمد ناجي أحمدمحمد ناجي أحمد

وقفات نقدية مع كتاب(اليمن واليمنيون)

مقالات

2020-11-23 17:01:17

في كتابه(اليمن واليمنيون-ذكريات دبلوماسي روسي) للدكتور (أوليغ بيريسيبكين)والصادر بطبعته الثانية عام 2005م عن دائرة التوجيه المعنوي-صنعاء- نجد العديد من الأخطاء التي يقع فيها المستشرقون حين يتناولون تاريخ ووقائع ومكونات اجتماعية لبلد ما، حتى لو كان هذا المستشرق قد عاش تلك الفترة في البلد الذي يكتب عنه.

المؤلف عمل مترجما في بعثة الاتحاد السوفيتي بالمملكة المتوكلية في يوليو 1959م، وعمل سفيرا خلال الأعوام 1980-1984م.

يرى المؤلف أن الأمير محمد البدر هو من أخمد انقلاب 1955م.

 والحقيقة أن محمد البدر الذي كان في الحديدة  كان قد بدأ بمراسلة القبائل ، وعزم على التحرك إلى حجة لاستنهاض القبائل وإسقاط الانقلاب على ذات النهج الذي سار عليه أبوه حين وأد حركة 1948م، وقد أشار له بذلك الأستاذ أحمد محمد نعمان، والذي تخلص من قادة انقلاب 1955م بأن أقنعهم أن يرسلوه إلى الحديدة كي يطلب من الأمير محمد البدر مبايعة عمه سيف الإسلام عبدالله إماما، وكونه الأستاذ النعمان الأقدر على إقناع البدر بذلك،  فالأستاذ أحمد نعمان أستاذه ومربيه.

وبهذه الحيلة استطاع النعمان أن يُخلِّص نفسه من المشاركة بانقلاب كانت كل المؤشرات وطبيعة القوى تؤكد فشله.

وفعلا استطاع الإمام أحمد أن يتواصل مع الشيخ المحجاني في قلعة القاهرة، وكذلك الجنود المرتبين في جبل صَبِر، ثم بجرأة فك الحصار على القصر حين واجه الجنود المكلفين باعتقاله داخل القصر، ولسيطرة السلطة على النفوس استسلم الجنود للإمام أحمد وسلموا، ثم بدأ الضرب على الجيش في الميدان من صبر ومن قلعة القاهرة ومن القصر، وكان لمجاميع حاشد وعلى رأسهم حميد بن حسين الأحمر دور في إفشال انقلاب 1955م.

يقول المؤلف "وأمر الإمام أحمد بخنق شقيقيه الأمير عبد الله والأمير عباس في سجن مدينة حجة"ص43. 

وما حدث هو أن الإمام أحمد بعد فشل الانقلاب عليه، وأعدم المقدم أحمد الثلايا وعدد من المشاركين في هذا الانقلاب، تم قود عبد الله والعباس إلى سجن حجة ثم إعدامهم وليس خنقهم!

تقبيل الركب وتقديس الألقاب:

تقديس الألقاب وتقبيل الركب عادة تناقلها اليمنيون منذ الاحتلال العثماني في اليمن، وعلى نهج الأتراك سارت المملكة المتوكلية بسادتها وقضاتها.

 يقول المؤلف "ولذلك فإن التوجه إلى السادة بالحديث من دون ذكر ألقابهم يمكن أن يعتبر تحقيرا مقصودا من قبل المحاور ويجعله غير مرغوب به".

 وعن القضاة يقول "وغطيت الجبة القاضي حول الركبة اليمنى ببقع من اللونين الأصفر والأخضر وهي آثار قبلات طالبي العون. 

ففي العادة عندما يدخل طالب المساعدة الفقير إلى القاضي يجلس القرفصاء، وفق الطريقة التركية، وهو ينحني لتقبيل اليد ويلامس الركبة وإذا كان ذلك قد مضغ القات أو التبغ فيبقى على الجبة آثار يصعب إزالتها بالغسيل"ص47.

القاضي محمد راغب بك:

عن القاضي محمد راغب بك رفيق الوالي التركي في اليمن، والذي بقي في صنعاء بطلب من الإمام يحيى بعد نيل اليمن لاستقلالها من الأتراك في 4نوفمبر 1918م، يقول المؤلف "كان شخصا متعلما يتقن إضافة إلى اللغة التركية اللغات الفرنسية والروسية والعربية، كونه في بداية القرن العشرين عمل بصفة سكرتير أول في سفارة الامبراطورية العثمانية في سانت بطرسبورج، واقترن بفتاة روسية تدعى لودميلا فولكوفا التي كانت معه في صربيا وألبانيا ووصلت إلى اليمن.

رزقت لودميلا فولكوفا بفتاتين إحداهن عزيزة التي تزوجت من ابن الإمام يحيى سيف الإسلام قاسم والثانية غادرت إلى اسطنبول".

يذكر الأستاذ عبد الله البردوني أن البريطانيين في عدن من خلال مراسلاتهم مع الإمام يحيى كانوا يحذرونه من محمد راغب بك ويصفونه بالشيوعي. 

لكن الإمام يحيى لم يكن يلتفت لهذه التحذيرات كون الاتحاد السوفيتي لا يشكل خطرا على مملكته.

ولذلك عقد معهم اتفاقية صداقة وتجارة عام 1928، وهي أقدم اتفاقية للاتحاد السوفيتي في المنطقة العربية.

تزوجت الابنة الثانية بسيف الإسلام أحمد، لكنها بعد فترة طالبت بالطلاق وتم لها ذلك، ليتزوجها طبيب الأسنان مدحت باشا، وكان الطبيب مدحت يوصف بأنه من الشيوعيين، بحسب ما أورده الأستاذ عبد الله البردوني عن جذور الشيوعية في اليمن. 

لكن البردوني يروي دون أن يحيل ذلك إلى مرجع أو مصدر. 

فما يرويه الدكتور أوليغ بيريسيبكين في كتابه هذا من أن محمد راغب بك وزير خارجية الإمام يحيى عمل في بداية القرن العشرين في سانت بطرسبورج يعزز من الذهاب إلى القول بعلاقة راغب بك وصهره الطبيب مدحت بالشيوعية آنذاك.

الزرانيق وبريطانيا:

كان لدى الاتحاد السوفيتي معطيات عن روابط لشيوخ قبيلة الزرانيق مع البريطانيين. 

ولهذا فقد هنأ حاكيموف الأمير أحمد بالنصر على الزرانيق في مايو 1929. 

ولأن موقف الاتحاد السوفيتي كما يرى المؤلف كان يدعو إلى وحدة اليمن، ويدين المزاج الانفصالي.

لكن وقائع التاريخ السياسي اليمني المعاصر يؤكد أن الاتحاد السوفيتي لم يكن مع وحدة اليمن بعد قيام جمهورية في الشمال وجمهورية في الجنوب، بل كان تحرك الرئيس إبراهيم الحمدي والرئيس سالم ربيع علي نحو خطوات وحدوية عام 1977م من الأمور المقلقة للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية على حد سواء!

وفيما يتعلق بالروابط بين الزرانيق  وبريطانيا فإن تواصل شيوخ قبائل الزرانيق  بالمحامي محمد علي لقمان الذي أوفدته بريطانيا بداية عشرينيات القرن العشرين إلى الحديدة ليستشف لها مزاج القبائل وولاءها هل هي مع الإدريسي أم مع الإمام يحيى أم مع بريطانيا، فقد نصح محمد علي لقمان شيوخ الزرانيق بكتابة عريضة إلى عصبة الأمم يطالبون فيها بالاستقلال. 

وعند عودته إلى عدن سلم لقمان صورة نسخة من التقرير إلى الحاكم البريطاني في عدن ونسخة تم تسليمها لعصبة الأمم!

تناقضات الجبهة القومية من منظور المؤلف:

 يستند المؤلف إلى مسودة تقارير كتبها (دميتري زغيرسكي)مراسل وكالة الأنباء "تاس" السوفيتية في عدن، أرسلها إلى المكتب الرئيسي في موسكو-أن الشيوعيين في عدن يعتقدون بأن الرئيس قحطان الشعبي ينوي بناء الاشتراكية على النمط المصري، وليس على النمط السوفيتي، في حين أن القوى اليمينية يعتبرونه يساريا متطرفا.

 ويعتقد الشيوعيون بأن قحطان الشعبي يتزعم الجناح اليميني في الجبهة القومية.

وفقا لتقارير (دميتري زغيرسكي ) فإن الجبهة القومية فيها جناح يميني يتزعمه قحطان الشعبي وجناح يساري متطرف، في حين يرى الشيوعيون أنفسهم (أي جماعة عبد الله باذيب) أنهم في الموقف المعتدل...

كان موقف اليسار المتطرف في الجبهة القومية بحسب هذه التقارير شديدة التهور خلال المؤتمر الرابع للجبهة القومية.

 وكان وزير الدفاع علي سالم البيض من مجموعة المتطرفين اليساريين "حيث طالبوا بالانتقال الفوري إلى الأساليب الثورية في كافة الاتجاهات، كما طالبوا بتنفيذ القرارات الحازمة ومصادرة أراضي "البرجوازية الزراعية" وتأميم كل شيء في البلاد..

 وكانت نتائج المؤتمر كما انعكست في الوثائق تشير إلى انتصار التيار الشيوعي، وما كان من الرئيس إلاَّ أن خضع لرأي الأغلبية"ص211.

الملفت للنظر أن حضرموت كانت تمثل أقصى اليسار فيما يتعلق بالمسألة الاجتماعية، في منظورهم لاجتثاث ما أسموه بالبرجوازية الزراعية.

يتناول المؤلف في كتابه هذا ومن خلال التقارير ما ذُكر عن عبد الفتاح إسماعيل عامي 1968-1969م، ففي المؤتمر العام الرابع للجبهة القومية كان عبد الفتاح إسماعيل وزير الثقافة والإرشاد وشئون الوحدة، وسنه آنذاك 25عاما. 

وهو ليس شيوعيا بل يساريا.. وقد عرض عليه في السابق منصب رئيس الوزراء لكنه رفض.

وفقا لمراسل وكالة (تاس)فعبد الفتاح إسماعيل كان في تلك المرحلة" سياسي سيء وبدون خبرة إلاَّ انه يستمع وينفذ نصائح السكرتير العام لاتحاد الشعب الديمقراطي(عبد الله باذيب)."

بحسب تقارير مراسل (تاس) فإن ضعف الخبرة والحكمة السياسية لدى عبدالفتاح إسماعيل كثير ما تكشف عن نفسها.

 حتى عندما كان في السجن بسبب حركة مجموعة من الجيش في مارس 1968م فقد كان عبد الفتاح "يصرخ من خلف القضبان مخاطبا الجنود :"يا عمال العالم اتحدوا"، "لينين يُعلمنا، بأن الجيش..." وهو الآن يطالب بإصرار لإقالته من منصبه ليتفرغ للعمل الحزبي في الجبهة القومية"ص212.

إذا كان الشيوعيون يستطيعون التأثير على عبد الفتاح فإن تأثيرهم على علي سالم البيض كان صعبا حينها، ومع ذلك فتوصيف الشيوعيين لعلي سالم البيض بأنه رجل جيد، رغم مبالغاته اليسارية.

وينقل مراسل وكالة(تاس) زغيرسكي عن عبد الله باذيب قوله بأن الغالبية العظمى من الشباب في حضرموت من اليساريين بشكل عام والمتطرفين.

 ويقوم اتحاد الشعب الديمقراطي بتربيتهم مستنيرا بهدي اللينينية.

 وأشار أيضا: "سيكونون جميعا معنا".

ومن توضيحات عبد الله باذيب عن الجنود في الشطر الجنوبي أنهم أكثر استقلالية، فليس لديهم رمزا وقائدا مثل جمال عبدالناصر، فهم يذكرونه بالأطفال لسهولة تربيتهم.

في اليمن الجنوبي عامي 1968-1969 لا وجود لزعماء لديهم الولاء المطلق في الجيش.

 فقائد القوات المسلحة العميد عشال لا يمثل نموذجا جيدا في أعين الجنود، والإحساس بالولاء للرئيس قحطان لازال ضعيفا، وهيبة وزير الدفاع علي سالم البيض أكثر هيبة منهم.ص213.

طالب ممثلو الجناح اليساري في الجبهة القومية في 14مايو 1968من الرئيس قحطان الشعبي طرد كل من له علاقة بأحداث 20مارس 1968 من جميع أجهزة الدولة، وكان من عداد المطالبين الذين اجتمعوا في مدينة جعار : علي ناصر محمد، محمد صالح اليافعي(مطيع) عوض الحامد، وعبد العزيز عبد الولي وغيرهم.ص214.

يذكر المؤلف في كتابه هذا أنه في مايو 1968 بدأت تظهر منشورات من مجموعات تنظيمية مختلفة، ومن ذلك النشرة الصادرة عن المجموعة السرية "لمنظمة الوطنيين الحقيقيين" والتي دعت إلى إنهاء عربدة الشيوعيين في السلطة والبلاد، والإعلان عن إضراب عام.

 أما نشرة "اتحاد الطلاب"  فقد دعت الطلبة إلى مقاطعة الدراسة في 9مايو 1968، احتجاجا على اعتقال ستة طلاب. وقاموا بتوزيع منشور بعنوان "العنف الثوري" مشحون بالجمل المتطرفة، مثل " سنجعل من جماجم البرجوازيين منافل للسجائر، ومن عظامهم سمادا".

ومن لقاء الوفد السوفيتي بينهم المؤلف كمترجم مع الوفد- مع عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للجبهة القومية، كان ذلك بعد إقالة قحطان الشعبي، ومقتل فيصل عبد اللطيف الشعبي- أكد عبدالفتاح على أهمية زيارة الوفد السوفيتي، وموضحا لهم بأنهم في الجبهة القومية قاموا بحركة تصحيحية، تحررنا من القيادة  البرجوازية، التي عرقلت مسيرة التطور في البلاد، وأنهم في قيادة الجبهة القومية مع وحدة كافة القوى المؤمنة بالثورة، وأنهم قاموا بتطهير الجيش من العناصر البرجوازية. 

وعن نيتهم كقيادة لتنظيف صفوف الجبهة القومية أيضا.

وتحدث عن الأساس الطبقي للجبهة القومية بأنه الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء والجنود والبرجوازية الصغيرة التي وجدت مصلحتها في الثورة الوطنية، وعن البناء الاشتراكي، والوحدة اليمنية على أسس ديمقراطية، وعن وضرورة التعرف على تجارب الصين الشعبية والاتحاد السوفيتي في البناء الحزبي.

أما عن لقاء الوفد السوفيتي مع الرئيس سالم ربيع علي(سالمين) في عام 1969 فالمؤلف يصف سالمين بأنه يظهر أكبر سنا من عبد الفتاح إسماعيل، نحيفا، ممدود القامة، متحفظا بعض الشيء. 

أي أن سالمين تعامل مع وفد الاتحاد السوفيتي بتحفظ واستقلالية، وقد كان انطباع الوفد عن سالمين أنه فظ ويريد الاتحاد السوفيتي أن يساعدوا بلده  في معالجة التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->