فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

الحرب والانفصال وسؤال الهوية والانتماء السياسي في اليمن

الأربعاء 10 فبراير 2021 الساعة 06:33 م

منذ القدم واليمن تعيش وسط حالة مكثفة من الانقسام السياسي {دويلات مستقلة ومتصارعة تظهر بعضها ثم تختفي الأخرى بفعل الحروب والتغالب العسكري} لكن ما ظل ثابتا على امتداد حركة التاريخ والجغرافيا أن سؤال الهوية والانتماء لليمن الواحد والكبير كان حاضراً وغير قابل للانقسام السياسي في وجدان المكون الإنساني، ما يعني أن سؤال الهوية والانتماء لليمن كان منذ القدم يعبر دائماً عن حالة ثقافية اجتماعية جامعة تتجاوز في كل الظروف حالة الانقسام السياسي، صحيح أن حروب الدويلات المستقلة عبر التاريخ في اليمن كانت تتحرك بدوافع الرغبة الشديدة من قبل الدولة القوية على فرض سلطانها السياسي ونفوذها العسكري على كامل المكون الجغرافي والإنساني في اليمن، إلا أن المخيال السياسي للحاكم كان حرياً على أن يشرعن حروبه من أجل السلطة، تحت غطاء كبير من المشروعية التي يفرضها سؤال الهوية والانتماء الجامع لليمنيين، قبل أن تتبلور مفاهيم الفكرة الوطنية أو الوطن الجامع في الفكر السياسي الحديث.

بدون أدنى شك نستطيع القول إن الحضور المستمر لسؤال الهوية والانتماء الجامع للمكون الإنساني في اليمن لم يكن في يوم من الأيام يعبر عن الحالة الوجدانية للمكون الإنساني فحسب، بل هو حضور يعبر في نفس الوقت عن ثوابت الجغرافيا والتاريخ منذ القدم وإلى يومنا الحاضر، وحتى عندما استطاعت مشاريع التشطير والانقسام أن تفرض نفسها كأمر واقع وتحولت في القرن العشرين إلى أنظمة سياسية حاكمة في الشمال والجنوب ظل سؤال الهوية والانتماء حاضراً وعصياً على التجاوز.  

ومع تبلور مفاهيم الفكرة الوطنية، كان المثقف والسياسي في اليمن، خصوصاً اليساريين منهم، يعملون على تحويل سؤال الهوية والانتماء الجامع لليمنيين، إلى مشروع سياسي اجتماعي وطني وحدوي، لذلك كانت أولوياتهم النضالية هي العمل على تحقيق الدولة الوطنية في اليمن المقسم يومها شطرياً بين شمال وجنوب، وهو ما تحقق في عام 1990م ومع تحقيق هذا الإنجاز التاريخي على المستوى السياسي نستطيع القول إن العقل السياسي الحاكم قد فشل في تحويل جغرافية اليمن إلى وطن للعيش الكريم لاسيما بعد تحقيق دولة الوحدة في 22 من مايو 1990م التي تعرضت مبكراً للانقلاب العسكري في صيف 1994م.

بعد قرون طويلة من التجزئة والصراع السياسي والدويلات المستقلة أصبح اليمنييون في 1990م، يعيشون، سياسياً ووجدانياً واجتماعيا،ً تحت سلطة واحدة في اليمن (دولة الوحدة اليمنية) ما يعني أن مجرد التفكير في الحرب أو محاولة التذرع في تفجيرها تحت شعار {محاربة قوى الردة والانفصال} كان أكبر الأخطاء القاتلة في تاريخ اليمن على الإطلاق، فأنت في هذه الحرب تقتل باسم الوحدة من ضحى وناضل من أجل تحقيقها لكي تدفعه مكرهاً للكفر بالوحدة التي لم تؤمن بها أنت ثم تواصل هذه الحرب بأدوات ناعمة لتدفع الوجدان الشعبي للكفر بها.

سوف يسجل التاريخ أن حرب 1994م هي أول حرب أطلقت نيرانها على سؤال الهوية والانتماء في اليمن، بل هي أول حرب اغتالت الفرصة السانحة أمامهم لبناء الوطن الكبير في اليمن، خصوصاً وقد أثبتت الأحداث أن الحرب لم تكتف بإقصاء المكون السياسي الذي كان شريكا في دولة الوحدة فحسب (الحزب الاشتراكي اليمني) بل استهدفت المكان والمكون الإنساني والجغرافي الذي كان يحكمه هذا الشريك قبل قيام الوحدة، هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية كانت حرب صيف 94 أول حرب في تاريخ اليمن تستهدف مشروع الدولة الوطنية الحديثة وتنقلب عليه جذرياً، خصوصاً بعد نجاح اليمنيين في تحقيق وحدتهم السياسية، وقيام دولة الوحدة على شرط العمل بالديمقراطية والتعددية السياسية، ما يعني في النتيجة الثانية أن حرب 1994م لم تقف عند حدود الحيازة العسكرية لمقاليد السلطة في اليمن، بل استهدفت قتل الفرصة التاريخية السانحة أمام اليمنيين، فيما يتعلق بتأسيس النظام الديمقراطي الذي تخلق من رحم الوحدة اليمنية بفعل التوازن السياسي والعسكري.

حرب 1994 بكل مآلاتها الكارثية لم تؤسس فحسب لما نحن فيه اليوم، بل إنها أسست المناخ السياسي المسؤول عن خلق القابلية الاجتماعية والثقافية اللتين تعملان اليوم على استدعاء النماذج التاريخية الماضوية، وعلى وجه الخصوص استدعاء فكرة الانقسام السياسي مجدداً، ولكن هذه المرة على أساس التنكر لسؤال الهوية والانتماء لليمن، وذلك ما لم يحدث منذ فجر التاريخ وحتى حرب 1994م، ما يعني في النتيجة الثالثة أن نجاح النخب السياسية الجنوبية في تحقيق الانفصال على أساس إنكار يمننة الجنوب اليمني سوف يجعل من المكون الإنساني في هذا المكان يعيش وسط حالة من الفراغ الكبير للحالة الوجدانية الجامعة سياسياً للجنوبيين { سؤال الهوية والانتماء} على سبيل المثال في حال انفصال الجنوب اليمني على أساس إنكار يمننة الجنوب كهوية وانتماء، فماذا يمنع بعد ذلك بعض النخب الحضرمية من الانفصال عن الجنوب وتحقيق حلمهم في إقامة الدولة الحضرمية، والداعمين الإقليمين مستعدون لدعم هذا التوجه.


ما يجب أن تدركه اليوم بعض النخب الصاعدة في الجنوب، أن الجنوب كإتجاه جغرافي بمعزل عن يمننته سياسياً، لا يمكن أن يشكل بأي حال من الأحوال حالة انتماء سياسي وتاريخي أو حتى هوية ثقافة اجتماعية جامعة للمكون الإنساني وهو ما سوف يجعل الجنوب مع هذا الفراغ في هوية الانتماء أكثر قابلية للانقسام والتشظي المناطقي والجهوي، لاسيما مع بروز حالة من الصراع السياسي داخل النخب الجنوبية وتهميش القيادة التاريخية للقضية الجنوبية، ناهيك عن كون الجنوب اليمني حتى الماضي القريب كان يعيش حالة من التجزئه الجغرافية والتقسيم السياسي الذي تموضع فعلياً إلى 22 سلطنة ومشيخة كل واحدة منها كانت تشكل دويلة مستقلة بذاتها، وكان بإمكان هذا التقسيم السياسي أن يستمر بعد طرد المستعمر البريطاني من عدن لولا أن الجبهة القومية التي فجرت ثورة ال14 من أكتوبر خاضت معركة تحرير الأرض بالتوازي مع معركة وحدة الجغرافيا سياسياً انطلاقاً من سؤال الهوية والانتماء لليمن الواحد الذي كان منسجما مع الحالة الوجدانية العامة للمكون الإنساني في جنوب اليمن، وتلك مسلمة سياسية يفرضها منطق التاريخ والجغرافيا في اليمن.