محمد عبدالرحمن

محمد عبدالرحمن

سائح يمني بصنعاء يموت في باب اليمن

منذ 53 يوم و 13 ساعة و 3 دقيقة

دخل صنعاء ولا يزال عبق منها عالقاً في ذاكرته، أصابه الذهول من أول لحظة وهو يحاول أن يجد القليل منها، كان يعتمر قبعته العتيقة ويحمل في يمينه "باكورة" كأنه موسى يبحث عن صالح في المدائن، وجد نفسه غريباً محاطاً بالوجوه الباهتة والشاردة في الأسفلت كأنها تماثيل من لحم ودم أصابها وابل من السماء.

قبل أن يدخل إلى صنعاء كانت له صفة اليمني الذي يسابق الزمن شوقاً إلى محبوبته، يمتطي الوقت ويدندن بلحنه الخفي، "أحب صنعاء ولي في العشق صنعاء"، وكان يحدّث ذاته بأن الحظ معه لا يفارقه، حيث قبل الموت سوف يتمكن من زيارة صنعاء والسلام عليها وإحاطتها بتقلبات السنين، كأنه يريد أن يحج إليها للوداع. 

وصل إلى بابها العتيق، ينشد باب اليمن الفسيح الذي لا يستطيع أحد أن يغلقه في وجه القادم إلى محرابها، زاهداً عن الحياة وعاشقاً لصنعاء، تلمّس الباب فأصابته لسعة من شدة حراراته، كانت تلك هي صفوة الوجع والألم الذي سرى في باب اليمن وبين مزلاجه وفتحته الشهيرة، حيث ضربة القذيفة في يوم كان خيرا من ألف ثورة، يوم الضحى وسطوع الجمهورية. 

وبدلاً من أن يحمل قدمه ويدخل سوق "ملح" الذكريات وأيام صنعاء، استند على الباب يسمع نجواه ونحيبه ووجعه، غربة الباب اعتلت غربة اليمني الذي أصبح يفتش عن صنعاء في صنعاء، يطرق كل الأبواب لعله يسمع صدى باب اليمن يرد: ها أنا ذا باب اليمنيين من دخل مني فهو آمن.

كم هو مؤلم أن يستند الوجع على الغربة، وأن تبحث الغربة عن ملاذ في حجارة صنعاء، وكم هو قاسٍ أن تفتش عن ذاتك وذكرياتك في كومة من التغريبة والتحول السريع لمدينة هي أقدم من عباءة الكثير من الأنبياء. 

كالسائح القادم من بلاد مارادونا أو ديستوفسكي أو بلاد السند، لا يقوى على النطق وهو يشاهد نفسه غريباً على الرغم من امتداد جذوره إلى السماء، يمنياً أصيلاً كتلك القبة التي زرع فيها صلاة قائمة بالحب عن صنعاء، عاجزاً عن التعبير مع ذاته ومع باب اليمن العتيق، ولم يبق له سوى سؤال يلوكه في فمه: أين صنعاء يا ترى؟؟

أين ذهبت تلك التي سقت من ينابيعها ملائكة السماء وهي مارة نحو المدينة تسند النبي محمد، أين رحلت صنعاء تلك التي تأوي كل من يأتي إليها، أين صنعاء التي لا يعرف فيها أحد عن هوية ودين وطائفة الآخر، أين اختفت صنعاء اليمن تلك التي كانت تتسع لألف لون ولا يطغى عليها لون، أين صنعاء الروح التي تملأ الجسد بالراحة والقلب بروح العبادة..؟؟؟

كالسائح الذي وصل إلى باب اليمن وأضاع طريقه، كان يعتنق صنعاء وطناً أبدياً، ولكنهم سرقوه، وأضاعوها في دهاليز العمالة والعمامة، نخروها بالفكر التدميري، واستباحوا دماءها وأغلقوا منافذها وجففوا ينابيع المحبة فيها، وأصبحت خالية من الألوان والتنوع، أصبحت صنعاء ذات الهوية الواحدة والطائفة الواحدة واللون الواحد، الغريب فيها كالبياض وسط كومة من السواد، بعد أن كان الجميع فيها أبناءها قبل أن يسلبوها حق الأمومة عن بقية اليمنيين.

لم يتزحزح عن بابها العتيق، ولم يترك لنفسه وقتاً للنهوض للعودة من حيث أتى، استسلم لصنعاء الذكريات، وأطبق جفنيه، وأسبل منها دمع الحياة بلون صنعاء، وصاح بتأوهة سمعها كل من كان في صنعاء وضواحيها، وأطلق لروحه العنان، وفتح لها باب جسده، للبحث عن صنعاء.. ومات على عتبة باب اليمن.